الخميس، 5 نوفمبر 2020

القط العسيري كبصمة من أثر اللغة والأدب العربي

 




   في لغتنا الدارجة هنالك الكثير من المفردات غير المعجمية والتي لا نجد لها أصولا في المعاجم ولا في اللغات الأخرى، وعادة ما نهملها بناء على عدم وجود شهادة قديمة بفصاحتها، بينما هنالك الكثير من هذه المفردات هي كلمات عربية أصيلة، بل ربما تكون بعضها أعرق من معاجم اللغة ذاتها، لذا جهلتها، خاصة ما ارتبط بعادة أو مهنة أو فن متوارث منذ القدم، وهذه المفردات على درجة من الأهمية لسبر أغوار تاريخنا اللغوي والأدبي.

   أثناء القراءة في أحد المصادر شدني ما وقفت عليه من ورود كلمة "قط" في إطار مفهومها الذي نعرفه، في كتاب الله في قوله تعالى: {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ}، وقيل أن هذه الآية تشير إلى استهزاء المشركين بقوله تعالى {فأما من أوتي كتابه بيمينه} و {وأما من أوتي كتابه بشماله}، فهذه الآية تورد مسمى "القط" كنمط من الكتابة أو الكتب المدون بها، بينما "القط"  حالياً هو اسم نوع من الفنون الزخرفية القديمة والذي كان سائدا في أجزاء من منطقة عسير.

   وللتعريف بالقط، فهو فن زخرفة جدارية منزلية كان يمارس في حدود منطقة جغرافية محدودة في منطقة عسير، وهو عبارة عن خطوط ومثلثات ومربعات وانكسارات وأشكال هندسية مختلفة ورسمات تستخدم فيها أربعة ألوان وهي الأخضر والأحمر والأزرق والأسود، كلها تستخرج من البيئة المحلية، ولكل شكل (وحدة) من هذه الأشكال الهندسية مسماه الخاص، فتبدو عندما تدرك أسمائها وكأنك تقرأ (أبجدية زخرفية)، ويتكون القط في بنيته الشكلية الأساسية من أربعة خطوط مستقيمة تمتد بشكل أفقي ولكنها تنزوي حول النوافذ والأبواب وما يشابهها كالبرواز، وتعلو فوق هذه الخطوط الأشكال الزخرفية بسمك مختلف بين منزل وآخر ولكن عادة ما يكون عرض القط في حدود ما بين 20-60 سم في المتوسط، ويمتد على جميع جوانب المداخل والمجلس والمبسط، وربما كامل المنزل، ويبدأ القط من ارتفاع حوالي 60-100سم عن الأرض ويكون ما تحته مطليا بالأخضر (الخضار)، وما فوق القط يكون باللون الأبيض (الجص).



   وقد ظل هذا النوع من الفن مغمورا على مدى قرون كحال فنون مناطق العمق في الجزيرة العربية حتى أشار له الأستاذ محمد رفيع في بداية العقد الثامن من القرن الرابع عشر الهجري في كتابه "في ربوع عسير"، بعد أن استوطن قرية "رجال" في محافظة رجال ألمع، وعمل بها مدرساً، وزار مدينة أبها وتجول في القرى في بلاد عسير وما حولها، وكتب كتابه المذكور، وضمَّنه الإشارة إلى هذا النوع من الزخرفة في بلاد عسير سراة وتهامة.

   ثم بقي هذا الفن واسمه حبيس المنازل العسيرية وأوراق كتاب محمد رفيع، عدى بعض الصور التي ترد في كتب التعريف بالمنطقة والعمران بها، دون تفاصيل، إلى أن زار الكاتب الفرنسي "سيري موجير" مدينة أبها، واستقبله أحد الباحثين فتنقل مع مضيفه في منازل أبها القديمة وقريته "رُجَال" برجال ألمع، والمنازل القديمة بالقرى المحيطة بأبها، وكان من نتيجة ذلك أن فنّ القط لفت انتباه الضيف الذي كتب عنه، وبدأ الاهتمام إلى أن انتهى الأمر إلى تسجيل اليونسكو لهذا الفن كمنتج ثقافي بشري في شهر ديسمبر من عام 2017م بعد أخذ كافة المعلومات عنه، فاشتهر هذا الفن وعرف، وانتبه له الجميع واهتموا بمعرفة المزيد حوله، فاستجاب العرض الاعلامي لهذا الطلب واصبح اسم القط العسيري يتردد على الألسن.

   ومسمى القط هو من المسميات الخاصة بهذه المنطقة، وهو خاص بهذا اللون من النقوش بالذات، مما يحمل دلالة على أنه مسمىً يختص بعادة متوارثة لا زالت تؤدى بنفس الطريقة منذ القدم، لذا ظل الاسم ملتصقا بهذه العادة التي لم تتغير كما تغير سواها.

   فالقط هو مسمى قديم عريق في المنطقة، وكان له متخصصين في كل قرية أو مجموعة قرى، ومما أعرفه مثلاً من كبار السن أنه كان في قريتنا قديماً امرأة متميزة في فن القط يحال إليها أمره عادة، اسمها "زهراء" وهي أم "آل هقشة"، كل من: (الفاضل عبدالله، وأخوه فايز رحمه الله)، إلا أن مسمى القط انقطع تداوله منذ أن بدأ انتقال الناس للسكن في الفلل الحديثة مع بدايات مرحلة التسعينات الهجرية (السبعينات الميلادية).

   أثارَ هذا الفن منذ استعادة حضوره في الوسط الاجتماعي والإعلامي السؤال عن أصله، وأصل المسمى (القطّ)، واتضح أنه اسم قديم كان يدل على الخط والكتابة، أو على الصحيفة المكتوبة، ولعله ـ وهو الأرجح لدي ـ الأصل لكلمة "خطّ" التي حُرِّف نطق "قطّ" إليها على مدى الزمن، إذ أن دلالاته القديمة جداً تشير إلى نفس المعنى بالضبط، إذ أن الخط حالياً يعني في اللغة والمفهوم العام الكتابة، أو الرسالة، أو يعني الرسم الممتد طولاً، كأثر سير القلم المحبر على الورقة (أو في الجدار ـ كما هو القط)، بل إن الخط ارتبط بحسن الكتابة أو زخرفتها فنقول عن من يحسن الكتابة خطاط، وربما كان أصلها قطاط.

   ولكن متى كان مسمى القط سائدا بنفس الدلالة، ومتى انحصر في هذه الجغرافيا دون سواها، ومتى اندثر في بقية الدلالات التي أصبحت تحملها مفردة "خط" والتي تعني الكتابة، وتعني الرسالة والصحيفة المكتوبة، بينما لا يدل القط حالياً إلا على زخرفات جدارية موروثة منذ القدم محصورة في جغرافيا معينة.

   نعود إلى الآية الكريمة التي ذكرناها أعلاه، والتي تشير إلى لفظة "القط" في قوله (عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا)، ونبحث عن المزيد عن المفردة والدلالات، لنرى مدى صلة القط العسيري بها، وكيف اتجه المفسرون في تفسيرها، وفي معرفة دلالة المفردة "قط"، والتي تحمل في اللغة معاني أخرى أكثر حضوراً منذ القدم كالقطع أو البتر.

   عندما نشاهد ما كتبه المفسرون والمحدثون حول معنى القط في هذه الآية نجد أنهم كانوا يجهلون معناها على أرض الواقع، إذ اختلفوا بين مرة وأخرى وبين مفسر ومفسر، واختلفوا حتى في الاشتقاق وقد اتجه جميعهم إلى الاستشهاد بأبيات من الشعر لأمية بن أبي الصلت، والأعشى، والمتلمس، وانتهى بعضهم إلى أنها اشتقاقا من القطع وبعضهم رآها مشتقة من القسط، وبعضهم اعتبرها تعني العذاب، وآخرون عدوها تعني النصيب، وهنالك من أدركوا المعنى اجتهاداً من خلال سياق الآية وسبب النزول ثم الأبيات ولكن بدون ثقة، فربطوها بصك الجائزة أو صك العذاب ... وهكذا، مما يسوق إلى أن المفردة لم تكن معروفة، ولا شائعة الاستعمال بهذا المعنى في مرحلة بداية كتابة هذه المؤلفات في النصف الثاني من القرن الأول وفي القرن الثاني ـ والتي هي مرحلة بداية التدوين ـ ثم ما بعدها.

   ولنبدأ بأقدم هذه المصادر وأكثرها اتصالا بموضوعنا وهو كتاب "غريب القرآن في شعر العرب"، وهو من مسائل نافع بن الأزرق (توفي65هـ) عن عبدالله بن عباس، وفي باب "ق ط ن"، قال:

" ق ط ن (قطنا)

قال: يا ابن عباس: أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: عَجِّلْ لَنا قِطَّنا

قال: القطّ: الجزاء، وهو الحساب أيضا.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الأعشى وهو يقول:

ولا الملك النّعمان يوم لقيته ... بنعمته يعطي القطوط ويطلق"

·        هذا الكتاب يعد من أوائل كتب التفسير، وهو متخصص بنقل غرائب القرآن، أي المفردات الغريبة التي وردت في القرآن مما لم يتعارف عليها الناس، وقد أورد كلمة "قطّ" الواردة في لفظة "قطَّنا" بصفتها من غريب الكلام الذي ورد في القرآن، وهذا كافٍ لنعلم بأن المفردة "قط" كانت مجهولة في ما بعد منتصف القرن الأول للهجرة، بل لم تكن من الكلمات المعلومة في عصر التابعين، وفي النص هنا أحد التابعين من اليمامة يستنكر المفردة ويسأل، ثم نجد أحد الصحابة يجيبه بأنها مفردة تعرفها العرب، ويشير إلى بيت الأعشى عن "القطوط" للاستدلال، ما يعني الحاجة إلى الشعر للإيضاح، بما يشير إلى أنها كانت في العصر الجاهلي متداولة ثم اندثرت، ولعلها كانت متداولة في الأساس في حدود معينة، ورغم أن عبدالله ابن عباس أجاب السائل وأشار لمعرفة العرب بها، إلا أن من الملاحظ أن جوابه كان مرتبطاً بالظاهر في سياق الآية وسبب تنزيلها وفي سياق البيت. وفي العموم فإن ورود المفردة في غريب القرآن بالإضافة لنص الرواية هنا يقرر بشكل واضح مجهولية المفردة وغرابتها في مرحلة التابعين خلال القرن الأول وما بعدهم.

   ومصدرنا الثاني هو أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمى البصري (110هـ - 209هـ) الذي عاش على امتداد القرن الثاني للهجرة، فقد قال في كتابه "أوزان القرآن" في تفسيره للآية: " عَجِّلْ لَنا قِطَّنا" التالي:

"القطّ: الكتاب، قال الأعشى:

ولا الملك النّعمان يوم لقيته ... بأمّته يعطى القطوط ويأفق

القطوط: الكتب بالجوائز."

·        نلاحظ أن أبو عبيدة ورغم وقوفه على الآية وسبب نزولها وعلاقة المفردة في السياق بالكتاب، إلا أنه استدل ببيت الأعشى أيضاً للوصول لمعنى المفردة التي لم تكن شائعة في بيئته، ومع أنه أشار بداية إلى نفس ما ذكره نافع: بأن القط هو "الكتاب"، وهو ما يفترضه سياق الآية وسبب النزول وببيت الأعشى ، إذ أن الأعشى أشار ضمنيا إلى أن النعمان لم يدم وهو الذي كان يعطي الخطوط بالجوائز، ولكنه اختزل كلمة الجوائز لأن الدلالة مفهومة من خلال الاسم ذاته للملك الذي اشتهر بالعطايا (الجوائز)، ومن ثم فإن دلالة المعنى ظاهرة في الجملة دون تفصيل. ولكن أبو عبيدة حشر كامل دلالة البيت في المفردة، فبما أن المعنى ظاهره يشير إلى الكتب بـالجوائز، والتي لم ترد في البيت، إذن فالمفردة (المجهولة) تحمل كامل الدلالة عليها، بينما المفردة في حقيقتها تدل على الكتاب أو الخط أو الصحيفة المكتوبة، ولا صلة لها بالجوائز إلا من خلال الدلالة الضمنية في البيت، والدلالة الافتراضية (المشروطة) في الآية التي قد تحمل على الجائزة (أو العكس).

   أما محمد بن إسماعيل البخاري فقد قال في صحيحه في تفسير الآية :

"(عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قبل الحساب): "القِطُّ: الصحيفَةُ هو ها هنا صحيفَة الحساب" ....

  (قطنا) قيل حظنا من الجنة ويكون قولهم هذا استهزاء وقيل نصيبنا من العذاب ويكون قولهم هذا عنادا. وقيل القط الكتاب ويطلق على الصحيفة لأنها جزء منه وقالوا هذا الكلام استهزاء لما نزل قوله تعالى {فأما من أوتي كتابه بيمينه} / الحاقة 19 / و {وأما من أوتي كتابه بشماله} / الحاقة 25 /. أي عجل لنا كتابنا في الدنيا. وأصل القط القسط من الشيء لأنه قطعة منه مأخوذ من القط وهو القطع."

·        نلاحظ هنا ان البخاري الذي قال: (قيل أن القط الكتاب)، يسوق من خلال استخدامه لـ"قيل" إلى أن معنى المفردة غير معلوم له وغير متعارف عليه، ولكنه مسبوق في ذلك، ولكن المطاف انتهى به أيضاً إلى استنباط المفردة من المعنى الشائع فقال بأن القط هو القسط من الشيء لأنه مقطوع منه.

   أما  أبو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت 276هـ) في "غريب الحديث" ورغم أنه مسبوق إلى المعنى فقد ذهب بعيداً عندما قال:

"القطوط: الأرزاق وَاحِدهَا قطّ. قَالَ الْأَعْشَى: من الطَّوِيل ...

وَلَا الْملك النُّعْمَان يَوْم لَقيته ... بامته يُعْطي القطوط ويأفق ...

بأفق: يفضل وأصل القط الْكتاب وانما سمي الرزق قطا كَانَ لِأَنَّهُ يكْتب بِهِ الى النَّاحِيَة الَّتِي يكون فِيهَا حق السُّلْطَان من الطَّعَام فَسُمي باسم الْكتاب وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَول الله جلّ وَعز: {عجل لنا قطنا} . القط: الْحساب. وَلَا أرَاهُ سمي قطا الا لِأَنَّهُ يكون بالكتب الَّتِي أحصيت فِيهَا أَعمال بني آدم. وَقَالَ المتلمس حِين نظر فِي الصَّحِيفَة وَعرف مَا فِيهَا وَأَلْقَاهَا فِي المَاء: من الطَّوِيل ...

ألقيتها بالثني من جنب كَافِر ... كَذَلِك أقنو كل قطّ مضلل"

·        ونلاحظ أن الدينوري رغم استشهاده ببيت الأعشى وبيت المتلمس التي كانت تشير إلى القط بمعنى "الكتابة" أو "الصك المكتوب، ورغم أنه قد دار في اطار المعنى عندما قال: (وأصل القط الْكتاب)، إلا أنه ذهب بداية إلى قياس بيت الأعشى على الأرزاق والآية على الحساب، بينما بيت المتلمس يدل على الصحيفة، فهو انساق مع خصوصية السياق في كل نص.

   أما إبراهيم بن السري بن سهل المعروف بأبي إسحاق الزجاج فقال:

"(وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ) (القِط) النصيب، وأصله الصحيفة يكتب للإنسان فيها شيء يصل إليه قال الأعشى:

ولا المَلِكُ النُّعْمانُ يوم لَقِيتُه. . . بغِبْطَته يُعْطِي القُطوطَ ويأْفِقُ

يأْفِقُ يُفْضِلُ.

وهذا تفسير قولهم: (عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا) وهو كقولهم (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا) - الآية

وقيل إنهم لما سمعوا أن المؤمن يؤتى كتابه بيمينه والكافر يؤتى كتابه بشماله، فيسعد المؤمن ويهلك الكافر، قالوا ربَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا.

واشتقاق القِط من قططت أي قطعتُ. وكذلك النصيب إنَّمَا هو القطعة من الشيء."

·        ونرى كيف أن الزجاج أخذ يستشهد ببيت الأعشى ويستحضر ما ورد حول المعنى من سابقيه ولكنه عاد لينتهي به المطاف إلى القول: " واشتقاق القِط من قططت أي قطعتُ. وكذلك النصيب إنَّمَا هو القطعة من الشيء.

وهو نفس الذي انتهى إليه الكثير من الاتكاء على المعنى المشهور للمفردة وهو المرتبط بالقطع (القط).

   أما أبو محمد عبدالرحمن بن محمد بن إدريس التميمي الحنظلي الرازي في كتاب "تفسير القرآن العظيم لأبي حاتم" فقد قال:

"قطنا: قَوْلُهُ تَعَالَى: «وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا» قال مجاهد: «عذابنا» . كذا قال قتادة: "نصيبنا من العذاب" وقال الحسن: "نصيبنا من الجنة لنتنعم به في الدنيا".

وقاله سعيد بن جبير. ومعروف في اللغة أن يقال للنصيب قط وللكتاب المكتوب بالجائزة رقط. قال الفراء: "القط في كلام العرب الخط والنصيب. ومنه قيل للصلاة قط"."

 

·        وهنا نجد الرازي ينقل معاني مختلفة لمفردة "قطنا" عن أعلام المحدثين مثل مجاهد (قال عذابنا) وقتادة (قال نصيبنا من العذاب) والحسن (البصري) (قال نصيبنا من الجنة لننعم بها) ما يدل على غرابة المفردة، فينتهي به المطاف إلى إيراد النصيب كمعنى للقط ليجاري خصوصية السياق في الأبيات والآية.

 

   أما بيان الحق محمود النيسابوري الغزنوي (ت531) في كتابه "باهر البرهان في معاني مشكلات القرآن فقد أورد المفردة ضمن واحدة من المشكلات وقال:

"(عجل لنا قطنا)

ما كتب لنا من الرزق. وقيل: من الجنة ونعيمها. وقيل: من العذاب.

وأصله القطع، ومنه قط القلم، وما رأيته قط، أي: قطعاً، ثم سمي الكتاب قطاً، لأنه يقطع ثم يكتب.

قال أمية بن أبي الصلت:

قوم لهم ساحة العراق وما ... يجبى إليه والقط والقلم."

·        ونجد أن بيان الحق قد أورد العبارة كمشكل ضمن مشكلات معاني القرآن التي أوردها في كتابه، وهو تصريح بمجهولية مفردة "قطنا" التي تقوم عليها، وغرابتها، وعدم تداولها خلال المراحل اللاحقة لصدر الإسلام. كما نجده يقع في نفس فخ الانقياد لخصوصية الدلالة في سياق الآية وبيت أبي الصلت، إذ يشير إلى معاني لا يبدو أنها تقف على المعنى المطلق للكلمة بعيدا عن السياق.

   وقد شرق وغرب الكثير من المفسرين والشراح والمحدثين سوى هؤلاء، ووقعوا في نفس اللبس، رغم أن أكثرهم اتكأ على من قبله ممن استفاد من سياق الأبيات المذكورة وسياق الآية، وهذا يسير بنا إلى أن المفردة لم تكن معروفة ولا متداولة منذ البداية، وأن مصدر التفسير لمعناها جاء من أبيات الأعشى وأمية بن أبي الصلت والمتلمس.

   ستكون معلومة قديمة، أن نستنتج مما سبق أن الشعر الجاهلي كان حاضراً بقوة في تفسير معاني القرآن، وفي إمداد معاجم اللغة والبلدان والأماكن والقبائل، ولكن ما جد هنا هو أننا وضعنا أيدينا على مفردة جاهلية اندثرت فيما بعد الاسلام، ولم ترحل مع من رحل إلى الكوفة والبصرة ودمشق وبغداد وسواها من عواصم العلم والسياسة والثقافة العربية إلا عبر الشعر الأصم الذي كان يتم استنباط معاني مفرداته النادرة ـ والتي لم يعد لها حضور في تلك الديار ـ من سياق أبياته فقط، ومن ثم إسقاطها على المعنى المفترض.

 ولكن هنالك من يقول أن ما حدث كان عكس ذلك !.

   أشار عدد من الباحثين بدايات القرن الماضي ضمنياً إلى أن القرآن كان بداية لغة أخرى لدى العرب، (انظر مرجليوث: أصول الشعر العربي وطه حسين: في الشعر الجاهلي)، ومن ثم فإن الشعر الجاهلي عند أصحاب هذا الرأي استنبط من اللغة الإسلامية (القرآنية)، أو لنقل أنه ابتدع للمفاخرة، والتقعيد للغة القرآنية التي لم تكن معروفة لدى العرب فعرفت مذ ذاك ، فورودها في الشعر لاحق للقرآن لا سابق له، يقول طه حسين ما مضمونه أننا إذا أردنا أن نفسر لغة القرآن فلا طريق إلا بالقرآن ذاته، أو ربما وبدرجة محدودة بالرجوع إلى القصص والأساطير العربية فهي على علاتها أصدق من الشعر في رأيه، ويشير ثيودور نولدكة (انظر: تاريخ القرآن) إلى أن القرآن أضاف الكثير إلى لغة العرب، وهنالك ممن جاؤوا بعدهم من يضربون على نغمة أن الشعر الجاهلي لا يصلح كمصدر لاستقراء التاريخ، نظرا لعدم الثقة به.

   ورغم أن الفكرة قد تهاوت إلى درجة كبيرة إلا أنه لا زال هنالك أتباع، كما أن الرفض الكامل لها غير وارد، إذ أن وجود الانتحال في الشعر العربي معلوم منذ القرون الأولى تحدث عنه المؤلفون العرب كالجاحظ وابن سلام والظبي وغيرهم، ولكنهم أشاروا لوجوده كحالات محدودة، بعيداً عن التشكيك في كامل الشعر الجاهلي كما فعلا، لذا فلا شك أننا بحاجة إلى المزيد من تلمس المدى الممكن لرفض أو تأييد مثل هذه الأقوال، فتنحية الشعر الجاهلي عن سردية التاريخ العربي يعني الكثير، ولكن هل يصح ذلك ؟.

   النقاش حول مجمل الفكرة تم اشباعه من قبل الكثير من الباحثين العرب، منهم ناصر الدين الأسد، وإبراهيم عوض، وعبدالرحمن بدوي، وحسين البهبيتي، وحسين مروة، ونولدكة، وغيرهم كثير، لا تحضرني أسماؤهم، أو أني لم أطلع على ما كتبوه، كما اهتم بدراسة المسائل الجزئية في الشعر الجاهلي الكثير من الباحثين الجدد الذين عنيوا بالأنساق، والدلالات اللغوية، والمشتركات، والمعالم، والأسلوب الفني، وغير ذلك مما يغطي جانبا معرفيا يشي بمدى الترابط في هيكله العام، وتماسكه.

   ومن خلال ما تقدم سرده نجد أن مفردة "القط"، والتي وردت مرة واحدة في القرآن، والتي أدرجت ضمن المفردات الغريبة في القرآن منذ وقت مبكر، قد أشكل الوصول إلى تحديد معناها الدقيق من قبل المفسرين منذ بداية مرحلة التدوين في القرنين الأول والثاني للهجرة، إلا من خلال استحضار أبيات الشعراء الجاهليين، ومقارنتها مع سياق الآية وسبب النزول، ورغم أنها وردت في الشعر الجاهلي ثلاث مرات على الأقل لدى ثلاثة شعراء، في سياق يرتبط بالمعنى، فإنهم اختلفوا وأشاروا ضمنياً إلى مجهوليتها بالنسبة لهم، ومن وصل منهم إلى دلالة مقاربة لم يثق في النتيجة.  

   ومن ثم فمفردة "القط" تعتبر عينة نموذجية لتلك المفردات القرآنية التي قد يُتَّهم المفسرون والشعراء في العصر العباسي باستحضار معناها عنوة باسم الشعر الجاهلي المبتدع، حسب الآراء التي ذكرنا.

   على الجانب الآخر فالمفردة ظلت تحمل معناها في جزء داخلي محدود من الجزيرة العربية، وتشير إلى فعل القلم على الصفحة البيضاء على جدران منازل العسيريين، مما يدل على الخط أو ما يشابهه من الرسم أو الزخرفة منذ ذلك التاريخ، في الوقت الذي جهل الجميع بما فيهم العسيريون أصل الكلمة القديم، فهي بالتالي ظلت تحمل معنى مخصصا لبعض العادات المرتبطة بالخط متوارثة منذ تلك العصور، مما يعطي مصداقية لما ورد في الأبيات ويدل على تلقائيتها ومصداقيتها، فالمفردة مجهولة في عصور التدوين معروفة في الشعر الجاهلي، ومن ثم فلعل الكشف عن هذا الفن (القط) للعموم قد أظهر لنا بصمة جديدة من أثر لغة الشعر الجاهلي في جزيرة العرب، التي كاد أن يمحو أثرها الزمن، وسجلنا شهادة أخرى لصالح درجة مصداقية الشعر الجاهلي، خاصة وأن الشعراء الثلاثة الذين أوردوها هم ممن شكَّك في شعرهم بل وفي وجودهم مرجليوث وطه حسين.

والله أعلم.

                                            

الثلاثاء، 18 أغسطس 2020

صدور كتاب: "دراسات جغرافية وعرقية للجزيرة العربية" للفرنسي: "جومار"

   صدر عن "مركز طروس للنشر والتوزيع" كتاب "دراسات جغرافية وعرقية للجزيرة العربية" للمستشرق الفرنسي "إدم فرانسوا جومار".


والكاتب هو رسام خرائط ومهندس آثار وباحث فرنسي مرموق، صدرت له العديد من الدراسات الجغرافية والتاريخية عن الجزيرة العربية، وعن الدولة السعودية الأولى، وعن مصر التي دخلها مع حملة نابليون، ثم عاد إليها، وبقي بها حقبة من الزمن كعضو في اللجنة العلمية وفي المعهد المصري، كما شارك في تحضير السفر الكبير الذي كتبه علماء الحملة الفرنسية تحت عنوان "وصف مصر".
   الكتاب الذي بين أيدينا هو في جزءه الرئيسي دراسة قام بها الكاتب عن الجزيرة العربية، استند فيها إلى مجموعة كبيرة من المراجع الكلاسيكية والعربية وكتابات المستشرقين، والوثائق الخاصة، فخرج منها برؤية حول أصول العرق العربي، وتقييم موروثاته في هذا الخصوص، وعلاقته بالشعوب والحضارات المحيطة، وحول المد السكاني القادم من الجزيرة العربية لمصر عبر التاريخ، والذي يراه المكون الأساسي للشعب المصري، كما قام بدراسة تاريخ العرب في الجزيرة العربية والحضارات والدول التي قامت بها، وأحوالها، وقدم خلال ذلك سرداً لما تعرضت له الجزيرة العربية من غزوات متتالية من الرومان والفرس والمصريين وغيرهم.
   كما قدم دراسة جغرافية عن الجزيرة العربية أورد فيها وصفا للأودية والجبال، والمناخ، وبنى على ذلك رؤى تثير التأمل حول مسارات الأودية، كما دون أسماء الكثير من المواقع، والاحداث المرتبطة بها، منها ما نقله عن المدونات القديمة والحديثة، ومنها (وهو الأهم) ما وجده في وثيقة عثر عليها  في مصر كتبها أحد السجناء من جيش أبي نقطة، كان بها الكثير من الأخبار والأحداث ـ التي لم ترد لدى سواه ـ عن أحداث الدولة السعودية الأولى في منطقة عسير وجبال السراة، ومواقعها، كما نقل عن بعض الوثائق المصرية أخبار حروب الإمام فيصل بن تركي مع الجيوش المصرية والمقاومة الباسلة التي أبداها الإمام ومن معه من أهل الخرج وسواهم في حصار الدلم مقابل جيش خورشيد باشا.
   كما نقل الكاتب في نهاية الكتاب دراسة مختصرة للحالة السياسية والاجتماعية في مصر في عصر محمد علي باشا، ثم سرداً لأحداث رحلة الباشا على متن المراكب إلى الجنوب عبر  نهر النيل حتى وصوله إلى "فازوقل" الواقعة على بعد واحد وعشرين يوما بعد الخرطوم، وقد وصف خلال ذلك الكثير من المدن والبلاد والمجتمعات ووضعها السياسي والاجتماعي، في توثيق لما عليه الحال في مرحلته. 
   الكتاب على العموم هو واحد من الكتب الهامة والغنية التي عنيت بتاريخ العرب، وفنونهم، وثقافتهم، وأثرهم الحضاري على البشرية، فقد بذل الكاتب جهدا بحثيا معتبراً استحضر فيه الكثير من المصادر التاريخية والجغرافية وأبدى حماسا لإنصاف التاريخ والحضارة العربية، ودور الإنسان العربي.
لذا فقد حرصت على إخراجه للقارئ  لمعرفة جزء من تاريخه.
والله من وراء القصد.

                                                  منصور أحمد العسيري

الاثنين، 30 سبتمبر 2019

ما جاء عن إمارة أبناء الأمير علي بن مجثل على عسير


   كنت قد تطرقت لامارة ابن الأمير علي بن مجثل على عسير بعد وفاة ابيه في كتاب "عسير والتاريخ وانحراف المسار" نقلا عن مصادر معاصرة، وقد تحدث معي الكثير وتواصل معي الكثير حول ذلك، لذا فهنا سيكون ايضاح الوضع بشكل كامل، وستكون المصادر العسيرية حاضرة ايضاً.

   المتابع لما كتبه مؤرخو عسير في القرن الماضي والمعاصرون ينتابه الدهشة من غرابة بعض الأخبار ووجود حوادث وإمارات تجاهلها مؤرخوا عسير بينما كانت تطل معالمها بين ثنايا أخبارهم أو في أخبار معاصريها القادمين من الخارج.
 فالبعض قد يندهش من خبر عابر كتبه عبدالرحمن الحفظي (من اعيان القرن الثالث عشر الهجري) في حوليته، ونقله أحد أحفاده، ونشر في كتاب "مجموع في تاريخ عسير"، حيث أرخ الحفظي لوفاة سعيد ابن علي بن مجثل في نهاية شوال من عام 1261 هـ واطلق عليه الأمير الهمام سعيد ابن الأمير علي بن مجثل !
وهذا هو النص من نفس الكتاب ص234:

   فلماذا اطلق الحفظي على سعيد بن علي بن مجثل لقب (الأمير الهمام)، بينما لم يكن يطلق لقب (الأمير) إلا على أمير عسير فقط ولم يكن هنالك ألقاب تشريفية أميرية لأسرة الامير في تلك المرحلة، فلم نجد شيئا من ذلك في المؤلفات العسيرية.
   ويمكن ملاحظة ذلك في كامل الكتاب، ومن ذلك ما جاء غير بعيد من الخبر السابق، في الصفحة 237 من نفس المصدر، وفي احداث عام 1268هـ عندما أطلق على أخيه / عبدالله بن علي بن مجثل اسمه بدون أي ألقاب وبالمثل أطلق على / محمد بن عايض  في عصر وجود ابيه في السلطة اسمه دون أي ألقاب.
 وهذا هو النص:


   فهل كان سعيد بن علي بن مجثل اميرا لعسير قبل وفاته !؟

   عندما نعود لمرحلة ما بعد وفاة الأمير علي بن مجثل سنجد أن  أحد معاصري هذه المرحلة وصف عايض بن مرعي ما بعد وفاة علي بن مجثل بعبارة (حاكم مؤقت لعسير)، ثم أشار لتعيين ابن علي بن مجثل أميرا لعسير. 
   فقد أورد تاميزيه في كتاب "رحلة في بلاد العرب"، اخبارا جيدة عن الوضع، ولكنه لا شك لم تكتمل نصوصه، وكان هنالك نقص في النصوص عما هو مشار اليه في عناوين الترجمة، فمثلاً نجد هنا نص لم يتم ترجمة تفاصيله بشكل كامل، حيث ورد ضمن عناوين مواضيع الفصل الأول عبارة "عايض بن مرعي حاكما مؤقتا لعسير"، بينما لم نجد التفاصيل فعلا في نفس الفصل.
 وهذا هو العنوان متضمنا العبارة:

   وقد أشار محمد خير البقاعي المختص في المصادر الفرنسية إلى حاجة الكتاب إلى إعادة الترجمة، (انظر موضوعي في المدونة:  ما لم يترجم من المصادر الفرنسية عن الجزيرة العربية ـ محمد خير البقاعي)، ولعل ذلك يعود إلى أن ترجمة الكتاب ـ كما يذكر المحقق ـ تمت على مراحل، حيث طلب المحقق من مجموعة من الاساتذة في احدى الجامعات الامريكية ترجمة الكتاب للانجليزية، ثم قام المحقق ذاته بالترجمة من الانجليزية للعربية، ولا شك أن مثل هذه العملية يحدث فيها الكثير من الاخطاء.
   ولكن الجميل أنه أتي في نفس كتاب تاميزيه ، في موقع آخر، نص صريح واضح يفيد بإقامة العسيريين لابن الأمير علي بن مجثل أميرا على عسير، واستمرار عايض بن مرعي في تسيير الأمور، وهذا النص يؤكد لنا بوضوح مفهوم الاشارة العرضية السابقة، الواردة في مخطوط عبدالرحمن الحفظي.
وهذا هو النص من نفس كتاب تاميزيه:

   وبعد ذلك من الطبيعي أن نتساءل ...!، من هو الامير الصغير الذي خلف أباه مباشرة ؟ وكم استمر حكمه واين ذهب ؟ هل كان سعيد نفسه أم سواه ؟ ولماذا لم يورد مؤرخو عسير عنه شيئا ؟ ومن هم أبناء علي بن مجثل ؟ ومن أكبرهم ؟.
   بخصوص أبناء الامير علي بن مجثل، فهنالك تضارب في الأخبار حول عدد أبنائه، إذ يذكر محمد بن زلفة أن لديه ابنان هما عايض ومحمد، بينما يرفض علي عوض آل قطب وجود عائض ويضيف لمحمد سعيد وعبدالله، ويحيل ما جاء في رسالة علي بن مجثل لمحمد الحازمي عندما قال في نهايتها "ومن لدينا الولد عائض، ومحمد يسلمون عليكم" إلى احتمال أنه يقصد بعض رجاله من آل يزيد، وهم عايض بن مرعي ومحمد بن مفرح، وانه استخدم كلمة الولد نظرا لاحتمال فارق السن بينه وبين عايض ومحمد، ولم أر آل قطب يستند إلى أي نص يشير إلى اقتصار ابنائه بعده على الثلاثة الذين ذكرهم، بل هو يحيل لنصوص تذكر كل منهم على حدة،  كما لم أجده يحيل الخبر إلى أحفاده تواترا.
ورغم عدم أهمية ذلك فيما نحن بصدده، إلا أن الحق أن اشارة علي بن مجثل ألى الولد عائض ومحمد لا يمكن أن توجه إلا بقصد أبنائه هو إذ لا يستخدم مصطلح الولد للاشارة لغير الابن في اللهجة المحلية بعسير، أما غير الابن فيقال له: الغمر (غالبا)، أو الفتى، أو السفيه، أو الغر، كما أنه لا يشار للغريب بالاسم المفرد، فالأصح أن يقول: الولد عايض بن مرعي ومحمد بن مفرح، ولا يقتصر بالاسم مفرداً إلا للابن، والاهم أن افتراض الاستاذ علي آل قطب لذلك بني على أن هنالك أسرة حكم يزيدية ينتمي إليها كل من ابن مجثل وابن مرعي وابن مفرح، كما أورد كيناهان كورنواليس، لذا فمن الطبيعي أن يشير لهما باسم الولد، وهذا خطأ، فليس هنالك أي صلة نسبية بين هذه الأسر، فعائض بن مرعي لم يكن ذو صلة بأسرة علي بن مجثل، كما وصفه سليمان شفيق باشا (متصرف عسير 1326 ـ 1330هـ) في مذكراته، فقد ذكر صراحة أنه لا ينتمي إلى سلالة الامراء.
 وهذا هو النص:

بل انه أشار في نص آخر بما يفيد بانفراد عائض بن مرعي بالانتماء اليزيدي، وخصص الانتماء اليزيدي بآل يزيد الشعف، وأشار لدعوى آل يزيد الانتماء ليزيد بن معاوية، وأنهم لا يملكون أي وثائق تشير لذلك سوى تداوله بينهم، وقولهم أنهم توارثوه.
وهذا هو النص:

   
   ومن خلال ما تقدم فنحن نفترض بأن أبناء علي بن مجثل كانوا أربعة: أكبرهم عائض، ثم محمد، ثم سعيد، وعبدالله، وربما كان لديه عندما أرسل الرسالة طفلان فقط، وهما عائض ومحمد ثم أنجب سعيد وعبدالله لاحقا خلال السنوات التي عاشها بعد ذلك، أوربما أن عائض ومحمد كانوا يعقلون، لذا اختصهم بالذكر، بينما سعيد وعبدالله (أو أيهما في حينه) كانوا اطفالا صغارا لم يميزوا بعد.
ومن ثم فإن الراجح لدينا أن عائض بن علي بن مجثل قد تولى السلطة في البداية ـ بصفته الأكبر سناً ـ تحت وصاية عايض بن مرعي، إلى أن توفي.
 وحيث لم نجد خبر وفاته في المصادر العسيرية المعاصرة حتى الآن، فنقول لعله توفي مبكرا، وربما كان حينها لم يصل سن الرشد بعد، فتم تنصيب أخيه سعيد بن علي بن مجثل أميرا لعسير من بعده، والذي استمرت امارته إلى عام 1261هـ، ومن ثم كان خبر وفاته بعد أن وصل سن الرشد ومارس الإمارة حدثا ذا اهمية، مما جعل عبدالرحمن الحفظي يدونه ويشير اليه باسم الأمير، والذي هو ـ كما أسلفنا ـ لقبا خاصا بمن يتسنم الإمارة في عسير، وليس لسواه حتى من أقرب أقاربه.

   واذا كان قد تأكد لنا تتويج سعيد بن علي بن مجثل أميرا لعسير، وترجح لدينا تتويج أخيه عائض قبله، فإننا لم نجد ما يدل على مرحلة ما بعد سعيد، فهل تتوج أحد إخوته بعده، أم أن الامر ترك نظرا لوفاة الأميرين، ودخول الشرعية العثمانية على خط السلطة في عسير.
   كما لم يصلنا من المصادر العسيرية المعاصرة ممن اطلعوا على وثائق عسير القديمة، ما يعطي فكرة عن مدى ممارسة سعيد السلطة الفعلية قبل وفاته ، حيث أن قول عبدالرحمن الحفظي عنه (الأمير الهمام) يحمل دلالة على أنه مارسها، فكم المدة ؟.
أتمنى أن نجد جواب ذلك قريبا حين الافراج عن المزيد من الوثائق العسيرية بشكل أفضل.

   ويبدو أن عايض بن مرعي خلال مراحل ما قبل وفاة الأمير سعيد بن علي بن مجثل قد حاول تجاوز الشرعية المحلية التي فقدت، أو كانت على وشك انتهاء الصلاحية، إلى محاولة الحصول على الشرعية الخارجية لسلطته ـ التي ترسخت خلال سنوات وجوده مسيراً لأمورها ـ من الدولة العظمى في حينه وهي الدولة العثمانية.
   فالوثائق العثمانية تشير إلى أنه قد وسط شريف أبي عريش،  للتقدم إلى شريف مكة، للتوسط له لدى الباب العالي، لاصدار فرمان بتعيينه شيخا على عربان عسير، كما بعث الرسائل لشريف جدة ولشريف مكة، وكل ذلك كان في سبيل الحصول على الشرعية من الدولة العثمانية خلال مرحلة ما قبل وفاة الأمير سعيد بن علي بن مجثل بحوالي ثلاث سنوات وهذا نص أحد مراسلات الدولة العثمانية التي تدل على ذلك:


وقد صدرت فعلا الموافقة من المجلس الأعلى بتعييين عايض بن مرعي شيخا لعربان عسير، وهذا نص الفرمان أدناه: 



   لذا فلا عجب أن صراعا وخلافا حدث في عسير بعد وفاة عايض بن مرعي حول من يتسنم السلطة بعده، حيث انقسم الناس بين من يرى تنصيب اي من: ابن علي بن مجثل (لم يذكر اسمه في الوثيقة) أو محمد بن مفرح، وبين من يريد تنصيب محمد بن عايض.
وهذه صورة الوثيقة:


   وفي النهاية نأمل أن تخرج المزيد من الوثائق العسيرية التي تعطينا المزيد من التفاصيل عن إمارة أبناء علي بن مجثل، وانصاف تاريخهم.
   وقد وضعت هذه اللمحة مبدئيا هنا في محاولة للفت الانتباه.
   ولي عودة للموضوع ضمن سواه في موقع آخر إن شاء الله.
هذا والله الموفق