الخميس، 5 نوفمبر 2020

القط العسيري كبصمة من أثر اللغة والأدب العربي

 




   في لغتنا الدارجة هنالك الكثير من المفردات غير المعجمية والتي لا نجد لها أصولا في المعاجم ولا في اللغات الأخرى، وعادة ما نهملها بناء على عدم وجود شهادة قديمة بفصاحتها، بينما هنالك الكثير من هذه المفردات هي كلمات عربية أصيلة، بل ربما تكون بعضها أعرق من معاجم اللغة ذاتها، لذا جهلتها، خاصة ما ارتبط بعادة أو مهنة أو فن متوارث منذ القدم، وهذه المفردات على درجة من الأهمية لسبر أغوار تاريخنا اللغوي والأدبي.

   أثناء القراءة في أحد المصادر شدني ما وقفت عليه من ورود كلمة "قط" في إطار مفهومها الذي نعرفه، في كتاب الله في قوله تعالى: {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ}، وقيل أن هذه الآية تشير إلى استهزاء المشركين بقوله تعالى {فأما من أوتي كتابه بيمينه} و {وأما من أوتي كتابه بشماله}، فهذه الآية تورد مسمى "القط" كنمط من الكتابة أو الكتب المدون بها، بينما "القط"  حالياً هو اسم نوع من الفنون الزخرفية القديمة والذي كان سائدا في أجزاء من منطقة عسير.

   وللتعريف بالقط، فهو فن زخرفة جدارية منزلية كان يمارس في حدود منطقة جغرافية محدودة في منطقة عسير، وهو عبارة عن خطوط ومثلثات ومربعات وانكسارات وأشكال هندسية مختلفة ورسمات تستخدم فيها أربعة ألوان وهي الأخضر والأحمر والأزرق والأسود، كلها تستخرج من البيئة المحلية، ولكل شكل (وحدة) من هذه الأشكال الهندسية مسماه الخاص، فتبدو عندما تدرك أسمائها وكأنك تقرأ (أبجدية زخرفية)، ويتكون القط في بنيته الشكلية الأساسية من أربعة خطوط مستقيمة تمتد بشكل أفقي ولكنها تنزوي حول النوافذ والأبواب وما يشابهها كالبرواز، وتعلو فوق هذه الخطوط الأشكال الزخرفية بسمك مختلف بين منزل وآخر ولكن عادة ما يكون عرض القط في حدود ما بين 20-60 سم في المتوسط، ويمتد على جميع جوانب المداخل والمجلس والمبسط، وربما كامل المنزل، ويبدأ القط من ارتفاع حوالي 60-100سم عن الأرض ويكون ما تحته مطليا بالأخضر (الخضار)، وما فوق القط يكون باللون الأبيض (الجص).



   وقد ظل هذا النوع من الفن مغمورا على مدى قرون كحال فنون مناطق العمق في الجزيرة العربية حتى أشار له الأستاذ محمد رفيع في بداية العقد الثامن من القرن الرابع عشر الهجري في كتابه "في ربوع عسير"، بعد أن استوطن قرية "رجال" في محافظة رجال ألمع، وعمل بها مدرساً، وزار مدينة أبها وتجول في القرى في بلاد عسير وما حولها، وكتب كتابه المذكور، وضمَّنه الإشارة إلى هذا النوع من الزخرفة في بلاد عسير سراة وتهامة.

   ثم بقي هذا الفن واسمه حبيس المنازل العسيرية وأوراق كتاب محمد رفيع، عدى بعض الصور التي ترد في كتب التعريف بالمنطقة والعمران بها، دون تفاصيل، إلى أن زار الكاتب الفرنسي "سيري موجير" مدينة أبها، واستقبله أحد الباحثين فتنقل مع مضيفه في منازل أبها القديمة وقريته "رُجَال" برجال ألمع، والمنازل القديمة بالقرى المحيطة بأبها، وكان من نتيجة ذلك أن فنّ القط لفت انتباه الضيف الذي كتب عنه، وبدأ الاهتمام إلى أن انتهى الأمر إلى تسجيل اليونسكو لهذا الفن كمنتج ثقافي بشري في شهر ديسمبر من عام 2017م بعد أخذ كافة المعلومات عنه، فاشتهر هذا الفن وعرف، وانتبه له الجميع واهتموا بمعرفة المزيد حوله، فاستجاب العرض الاعلامي لهذا الطلب واصبح اسم القط العسيري يتردد على الألسن.

   ومسمى القط هو من المسميات الخاصة بهذه المنطقة، وهو خاص بهذا اللون من النقوش بالذات، مما يحمل دلالة على أنه مسمىً يختص بعادة متوارثة لا زالت تؤدى بنفس الطريقة منذ القدم، لذا ظل الاسم ملتصقا بهذه العادة التي لم تتغير كما تغير سواها.

   فالقط هو مسمى قديم عريق في المنطقة، وكان له متخصصين في كل قرية أو مجموعة قرى، ومما أعرفه مثلاً من كبار السن أنه كان في قريتنا قديماً امرأة متميزة في فن القط يحال إليها أمره عادة، اسمها "زهراء" وهي أم "آل هقشة"، كل من: (الفاضل عبدالله، وأخوه فايز رحمه الله)، إلا أن مسمى القط انقطع تداوله منذ أن بدأ انتقال الناس للسكن في الفلل الحديثة مع بدايات مرحلة التسعينات الهجرية (السبعينات الميلادية).

   أثارَ هذا الفن منذ استعادة حضوره في الوسط الاجتماعي والإعلامي السؤال عن أصله، وأصل المسمى (القطّ)، واتضح أنه اسم قديم كان يدل على الخط والكتابة، أو على الصحيفة المكتوبة، ولعله ـ وهو الأرجح لدي ـ الأصل لكلمة "خطّ" التي حُرِّف نطق "قطّ" إليها على مدى الزمن، إذ أن دلالاته القديمة جداً تشير إلى نفس المعنى بالضبط، إذ أن الخط حالياً يعني في اللغة والمفهوم العام الكتابة، أو الرسالة، أو يعني الرسم الممتد طولاً، كأثر سير القلم المحبر على الورقة (أو في الجدار ـ كما هو القط)، بل إن الخط ارتبط بحسن الكتابة أو زخرفتها فنقول عن من يحسن الكتابة خطاط، وربما كان أصلها قطاط.

   ولكن متى كان مسمى القط سائدا بنفس الدلالة، ومتى انحصر في هذه الجغرافيا دون سواها، ومتى اندثر في بقية الدلالات التي أصبحت تحملها مفردة "خط" والتي تعني الكتابة، وتعني الرسالة والصحيفة المكتوبة، بينما لا يدل القط حالياً إلا على زخرفات جدارية موروثة منذ القدم محصورة في جغرافيا معينة.

   نعود إلى الآية الكريمة التي ذكرناها أعلاه، والتي تشير إلى لفظة "القط" في قوله (عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا)، ونبحث عن المزيد عن المفردة والدلالات، لنرى مدى صلة القط العسيري بها، وكيف اتجه المفسرون في تفسيرها، وفي معرفة دلالة المفردة "قط"، والتي تحمل في اللغة معاني أخرى أكثر حضوراً منذ القدم كالقطع أو البتر.

   عندما نشاهد ما كتبه المفسرون والمحدثون حول معنى القط في هذه الآية نجد أنهم كانوا يجهلون معناها على أرض الواقع، إذ اختلفوا بين مرة وأخرى وبين مفسر ومفسر، واختلفوا حتى في الاشتقاق وقد اتجه جميعهم إلى الاستشهاد بأبيات من الشعر لأمية بن أبي الصلت، والأعشى، والمتلمس، وانتهى بعضهم إلى أنها اشتقاقا من القطع وبعضهم رآها مشتقة من القسط، وبعضهم اعتبرها تعني العذاب، وآخرون عدوها تعني النصيب، وهنالك من أدركوا المعنى اجتهاداً من خلال سياق الآية وسبب النزول ثم الأبيات ولكن بدون ثقة، فربطوها بصك الجائزة أو صك العذاب ... وهكذا، مما يسوق إلى أن المفردة لم تكن معروفة، ولا شائعة الاستعمال بهذا المعنى في مرحلة بداية كتابة هذه المؤلفات في النصف الثاني من القرن الأول وفي القرن الثاني ـ والتي هي مرحلة بداية التدوين ـ ثم ما بعدها.

   ولنبدأ بأقدم هذه المصادر وأكثرها اتصالا بموضوعنا وهو كتاب "غريب القرآن في شعر العرب"، وهو من مسائل نافع بن الأزرق (توفي65هـ) عن عبدالله بن عباس، وفي باب "ق ط ن"، قال:

" ق ط ن (قطنا)

قال: يا ابن عباس: أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: عَجِّلْ لَنا قِطَّنا

قال: القطّ: الجزاء، وهو الحساب أيضا.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الأعشى وهو يقول:

ولا الملك النّعمان يوم لقيته ... بنعمته يعطي القطوط ويطلق"

·        هذا الكتاب يعد من أوائل كتب التفسير، وهو متخصص بنقل غرائب القرآن، أي المفردات الغريبة التي وردت في القرآن مما لم يتعارف عليها الناس، وقد أورد كلمة "قطّ" الواردة في لفظة "قطَّنا" بصفتها من غريب الكلام الذي ورد في القرآن، وهذا كافٍ لنعلم بأن المفردة "قط" كانت مجهولة في ما بعد منتصف القرن الأول للهجرة، بل لم تكن من الكلمات المعلومة في عصر التابعين، وفي النص هنا أحد التابعين من اليمامة يستنكر المفردة ويسأل، ثم نجد أحد الصحابة يجيبه بأنها مفردة تعرفها العرب، ويشير إلى بيت الأعشى عن "القطوط" للاستدلال، ما يعني الحاجة إلى الشعر للإيضاح، بما يشير إلى أنها كانت في العصر الجاهلي متداولة ثم اندثرت، ولعلها كانت متداولة في الأساس في حدود معينة، ورغم أن عبدالله ابن عباس أجاب السائل وأشار لمعرفة العرب بها، إلا أن من الملاحظ أن جوابه كان مرتبطاً بالظاهر في سياق الآية وسبب تنزيلها وفي سياق البيت. وفي العموم فإن ورود المفردة في غريب القرآن بالإضافة لنص الرواية هنا يقرر بشكل واضح مجهولية المفردة وغرابتها في مرحلة التابعين خلال القرن الأول وما بعدهم.

   ومصدرنا الثاني هو أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمى البصري (110هـ - 209هـ) الذي عاش على امتداد القرن الثاني للهجرة، فقد قال في كتابه "أوزان القرآن" في تفسيره للآية: " عَجِّلْ لَنا قِطَّنا" التالي:

"القطّ: الكتاب، قال الأعشى:

ولا الملك النّعمان يوم لقيته ... بأمّته يعطى القطوط ويأفق

القطوط: الكتب بالجوائز."

·        نلاحظ أن أبو عبيدة ورغم وقوفه على الآية وسبب نزولها وعلاقة المفردة في السياق بالكتاب، إلا أنه استدل ببيت الأعشى أيضاً للوصول لمعنى المفردة التي لم تكن شائعة في بيئته، ومع أنه أشار بداية إلى نفس ما ذكره نافع: بأن القط هو "الكتاب"، وهو ما يفترضه سياق الآية وسبب النزول وببيت الأعشى ، إذ أن الأعشى أشار ضمنيا إلى أن النعمان لم يدم وهو الذي كان يعطي الخطوط بالجوائز، ولكنه اختزل كلمة الجوائز لأن الدلالة مفهومة من خلال الاسم ذاته للملك الذي اشتهر بالعطايا (الجوائز)، ومن ثم فإن دلالة المعنى ظاهرة في الجملة دون تفصيل. ولكن أبو عبيدة حشر كامل دلالة البيت في المفردة، فبما أن المعنى ظاهره يشير إلى الكتب بـالجوائز، والتي لم ترد في البيت، إذن فالمفردة (المجهولة) تحمل كامل الدلالة عليها، بينما المفردة في حقيقتها تدل على الكتاب أو الخط أو الصحيفة المكتوبة، ولا صلة لها بالجوائز إلا من خلال الدلالة الضمنية في البيت، والدلالة الافتراضية (المشروطة) في الآية التي قد تحمل على الجائزة (أو العكس).

   أما محمد بن إسماعيل البخاري فقد قال في صحيحه في تفسير الآية :

"(عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قبل الحساب): "القِطُّ: الصحيفَةُ هو ها هنا صحيفَة الحساب" ....

  (قطنا) قيل حظنا من الجنة ويكون قولهم هذا استهزاء وقيل نصيبنا من العذاب ويكون قولهم هذا عنادا. وقيل القط الكتاب ويطلق على الصحيفة لأنها جزء منه وقالوا هذا الكلام استهزاء لما نزل قوله تعالى {فأما من أوتي كتابه بيمينه} / الحاقة 19 / و {وأما من أوتي كتابه بشماله} / الحاقة 25 /. أي عجل لنا كتابنا في الدنيا. وأصل القط القسط من الشيء لأنه قطعة منه مأخوذ من القط وهو القطع."

·        نلاحظ هنا ان البخاري الذي قال: (قيل أن القط الكتاب)، يسوق من خلال استخدامه لـ"قيل" إلى أن معنى المفردة غير معلوم له وغير متعارف عليه، ولكنه مسبوق في ذلك، ولكن المطاف انتهى به أيضاً إلى استنباط المفردة من المعنى الشائع فقال بأن القط هو القسط من الشيء لأنه مقطوع منه.

   أما  أبو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت 276هـ) في "غريب الحديث" ورغم أنه مسبوق إلى المعنى فقد ذهب بعيداً عندما قال:

"القطوط: الأرزاق وَاحِدهَا قطّ. قَالَ الْأَعْشَى: من الطَّوِيل ...

وَلَا الْملك النُّعْمَان يَوْم لَقيته ... بامته يُعْطي القطوط ويأفق ...

بأفق: يفضل وأصل القط الْكتاب وانما سمي الرزق قطا كَانَ لِأَنَّهُ يكْتب بِهِ الى النَّاحِيَة الَّتِي يكون فِيهَا حق السُّلْطَان من الطَّعَام فَسُمي باسم الْكتاب وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَول الله جلّ وَعز: {عجل لنا قطنا} . القط: الْحساب. وَلَا أرَاهُ سمي قطا الا لِأَنَّهُ يكون بالكتب الَّتِي أحصيت فِيهَا أَعمال بني آدم. وَقَالَ المتلمس حِين نظر فِي الصَّحِيفَة وَعرف مَا فِيهَا وَأَلْقَاهَا فِي المَاء: من الطَّوِيل ...

ألقيتها بالثني من جنب كَافِر ... كَذَلِك أقنو كل قطّ مضلل"

·        ونلاحظ أن الدينوري رغم استشهاده ببيت الأعشى وبيت المتلمس التي كانت تشير إلى القط بمعنى "الكتابة" أو "الصك المكتوب، ورغم أنه قد دار في اطار المعنى عندما قال: (وأصل القط الْكتاب)، إلا أنه ذهب بداية إلى قياس بيت الأعشى على الأرزاق والآية على الحساب، بينما بيت المتلمس يدل على الصحيفة، فهو انساق مع خصوصية السياق في كل نص.

   أما إبراهيم بن السري بن سهل المعروف بأبي إسحاق الزجاج فقال:

"(وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ) (القِط) النصيب، وأصله الصحيفة يكتب للإنسان فيها شيء يصل إليه قال الأعشى:

ولا المَلِكُ النُّعْمانُ يوم لَقِيتُه. . . بغِبْطَته يُعْطِي القُطوطَ ويأْفِقُ

يأْفِقُ يُفْضِلُ.

وهذا تفسير قولهم: (عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا) وهو كقولهم (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا) - الآية

وقيل إنهم لما سمعوا أن المؤمن يؤتى كتابه بيمينه والكافر يؤتى كتابه بشماله، فيسعد المؤمن ويهلك الكافر، قالوا ربَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا.

واشتقاق القِط من قططت أي قطعتُ. وكذلك النصيب إنَّمَا هو القطعة من الشيء."

·        ونرى كيف أن الزجاج أخذ يستشهد ببيت الأعشى ويستحضر ما ورد حول المعنى من سابقيه ولكنه عاد لينتهي به المطاف إلى القول: " واشتقاق القِط من قططت أي قطعتُ. وكذلك النصيب إنَّمَا هو القطعة من الشيء.

وهو نفس الذي انتهى إليه الكثير من الاتكاء على المعنى المشهور للمفردة وهو المرتبط بالقطع (القط).

   أما أبو محمد عبدالرحمن بن محمد بن إدريس التميمي الحنظلي الرازي في كتاب "تفسير القرآن العظيم لأبي حاتم" فقد قال:

"قطنا: قَوْلُهُ تَعَالَى: «وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا» قال مجاهد: «عذابنا» . كذا قال قتادة: "نصيبنا من العذاب" وقال الحسن: "نصيبنا من الجنة لنتنعم به في الدنيا".

وقاله سعيد بن جبير. ومعروف في اللغة أن يقال للنصيب قط وللكتاب المكتوب بالجائزة رقط. قال الفراء: "القط في كلام العرب الخط والنصيب. ومنه قيل للصلاة قط"."

 

·        وهنا نجد الرازي ينقل معاني مختلفة لمفردة "قطنا" عن أعلام المحدثين مثل مجاهد (قال عذابنا) وقتادة (قال نصيبنا من العذاب) والحسن (البصري) (قال نصيبنا من الجنة لننعم بها) ما يدل على غرابة المفردة، فينتهي به المطاف إلى إيراد النصيب كمعنى للقط ليجاري خصوصية السياق في الأبيات والآية.

 

   أما بيان الحق محمود النيسابوري الغزنوي (ت531) في كتابه "باهر البرهان في معاني مشكلات القرآن فقد أورد المفردة ضمن واحدة من المشكلات وقال:

"(عجل لنا قطنا)

ما كتب لنا من الرزق. وقيل: من الجنة ونعيمها. وقيل: من العذاب.

وأصله القطع، ومنه قط القلم، وما رأيته قط، أي: قطعاً، ثم سمي الكتاب قطاً، لأنه يقطع ثم يكتب.

قال أمية بن أبي الصلت:

قوم لهم ساحة العراق وما ... يجبى إليه والقط والقلم."

·        ونجد أن بيان الحق قد أورد العبارة كمشكل ضمن مشكلات معاني القرآن التي أوردها في كتابه، وهو تصريح بمجهولية مفردة "قطنا" التي تقوم عليها، وغرابتها، وعدم تداولها خلال المراحل اللاحقة لصدر الإسلام. كما نجده يقع في نفس فخ الانقياد لخصوصية الدلالة في سياق الآية وبيت أبي الصلت، إذ يشير إلى معاني لا يبدو أنها تقف على المعنى المطلق للكلمة بعيدا عن السياق.

   وقد شرق وغرب الكثير من المفسرين والشراح والمحدثين سوى هؤلاء، ووقعوا في نفس اللبس، رغم أن أكثرهم اتكأ على من قبله ممن استفاد من سياق الأبيات المذكورة وسياق الآية، وهذا يسير بنا إلى أن المفردة لم تكن معروفة ولا متداولة منذ البداية، وأن مصدر التفسير لمعناها جاء من أبيات الأعشى وأمية بن أبي الصلت والمتلمس.

   ستكون معلومة قديمة، أن نستنتج مما سبق أن الشعر الجاهلي كان حاضراً بقوة في تفسير معاني القرآن، وفي إمداد معاجم اللغة والبلدان والأماكن والقبائل، ولكن ما جد هنا هو أننا وضعنا أيدينا على مفردة جاهلية اندثرت فيما بعد الاسلام، ولم ترحل مع من رحل إلى الكوفة والبصرة ودمشق وبغداد وسواها من عواصم العلم والسياسة والثقافة العربية إلا عبر الشعر الأصم الذي كان يتم استنباط معاني مفرداته النادرة ـ والتي لم يعد لها حضور في تلك الديار ـ من سياق أبياته فقط، ومن ثم إسقاطها على المعنى المفترض.

 ولكن هنالك من يقول أن ما حدث كان عكس ذلك !.

   أشار عدد من الباحثين بدايات القرن الماضي ضمنياً إلى أن القرآن كان بداية لغة أخرى لدى العرب، (انظر مرجليوث: أصول الشعر العربي وطه حسين: في الشعر الجاهلي)، ومن ثم فإن الشعر الجاهلي عند أصحاب هذا الرأي استنبط من اللغة الإسلامية (القرآنية)، أو لنقل أنه ابتدع للمفاخرة، والتقعيد للغة القرآنية التي لم تكن معروفة لدى العرب فعرفت مذ ذاك ، فورودها في الشعر لاحق للقرآن لا سابق له، يقول طه حسين ما مضمونه أننا إذا أردنا أن نفسر لغة القرآن فلا طريق إلا بالقرآن ذاته، أو ربما وبدرجة محدودة بالرجوع إلى القصص والأساطير العربية فهي على علاتها أصدق من الشعر في رأيه، ويشير ثيودور نولدكة (انظر: تاريخ القرآن) إلى أن القرآن أضاف الكثير إلى لغة العرب، وهنالك ممن جاؤوا بعدهم من يضربون على نغمة أن الشعر الجاهلي لا يصلح كمصدر لاستقراء التاريخ، نظرا لعدم الثقة به.

   ورغم أن الفكرة قد تهاوت إلى درجة كبيرة إلا أنه لا زال هنالك أتباع، كما أن الرفض الكامل لها غير وارد، إذ أن وجود الانتحال في الشعر العربي معلوم منذ القرون الأولى تحدث عنه المؤلفون العرب كالجاحظ وابن سلام والظبي وغيرهم، ولكنهم أشاروا لوجوده كحالات محدودة، بعيداً عن التشكيك في كامل الشعر الجاهلي كما فعلا، لذا فلا شك أننا بحاجة إلى المزيد من تلمس المدى الممكن لرفض أو تأييد مثل هذه الأقوال، فتنحية الشعر الجاهلي عن سردية التاريخ العربي يعني الكثير، ولكن هل يصح ذلك ؟.

   النقاش حول مجمل الفكرة تم اشباعه من قبل الكثير من الباحثين العرب، منهم ناصر الدين الأسد، وإبراهيم عوض، وعبدالرحمن بدوي، وحسين البهبيتي، وحسين مروة، ونولدكة، وغيرهم كثير، لا تحضرني أسماؤهم، أو أني لم أطلع على ما كتبوه، كما اهتم بدراسة المسائل الجزئية في الشعر الجاهلي الكثير من الباحثين الجدد الذين عنيوا بالأنساق، والدلالات اللغوية، والمشتركات، والمعالم، والأسلوب الفني، وغير ذلك مما يغطي جانبا معرفيا يشي بمدى الترابط في هيكله العام، وتماسكه.

   ومن خلال ما تقدم سرده نجد أن مفردة "القط"، والتي وردت مرة واحدة في القرآن، والتي أدرجت ضمن المفردات الغريبة في القرآن منذ وقت مبكر، قد أشكل الوصول إلى تحديد معناها الدقيق من قبل المفسرين منذ بداية مرحلة التدوين في القرنين الأول والثاني للهجرة، إلا من خلال استحضار أبيات الشعراء الجاهليين، ومقارنتها مع سياق الآية وسبب النزول، ورغم أنها وردت في الشعر الجاهلي ثلاث مرات على الأقل لدى ثلاثة شعراء، في سياق يرتبط بالمعنى، فإنهم اختلفوا وأشاروا ضمنياً إلى مجهوليتها بالنسبة لهم، ومن وصل منهم إلى دلالة مقاربة لم يثق في النتيجة.  

   ومن ثم فمفردة "القط" تعتبر عينة نموذجية لتلك المفردات القرآنية التي قد يُتَّهم المفسرون والشعراء في العصر العباسي باستحضار معناها عنوة باسم الشعر الجاهلي المبتدع، حسب الآراء التي ذكرنا.

   على الجانب الآخر فالمفردة ظلت تحمل معناها في جزء داخلي محدود من الجزيرة العربية، وتشير إلى فعل القلم على الصفحة البيضاء على جدران منازل العسيريين، مما يدل على الخط أو ما يشابهه من الرسم أو الزخرفة منذ ذلك التاريخ، في الوقت الذي جهل الجميع بما فيهم العسيريون أصل الكلمة القديم، فهي بالتالي ظلت تحمل معنى مخصصا لبعض العادات المرتبطة بالخط متوارثة منذ تلك العصور، مما يعطي مصداقية لما ورد في الأبيات ويدل على تلقائيتها ومصداقيتها، فالمفردة مجهولة في عصور التدوين معروفة في الشعر الجاهلي، ومن ثم فلعل الكشف عن هذا الفن (القط) للعموم قد أظهر لنا بصمة جديدة من أثر لغة الشعر الجاهلي في جزيرة العرب، التي كاد أن يمحو أثرها الزمن، وسجلنا شهادة أخرى لصالح درجة مصداقية الشعر الجاهلي، خاصة وأن الشعراء الثلاثة الذين أوردوها هم ممن شكَّك في شعرهم بل وفي وجودهم مرجليوث وطه حسين.

والله أعلم.

                                            

الثلاثاء، 18 أغسطس 2020

صدور كتاب: "دراسات جغرافية وعرقية للجزيرة العربية" للفرنسي: "جومار"

   صدر عن "مركز طروس للنشر والتوزيع" كتاب "دراسات جغرافية وعرقية للجزيرة العربية" للمستشرق الفرنسي "إدم فرانسوا جومار".


والكاتب هو رسام خرائط ومهندس آثار وباحث فرنسي مرموق، صدرت له العديد من الدراسات الجغرافية والتاريخية عن الجزيرة العربية، وعن الدولة السعودية الأولى، وعن مصر التي دخلها مع حملة نابليون، ثم عاد إليها، وبقي بها حقبة من الزمن كعضو في اللجنة العلمية وفي المعهد المصري، كما شارك في تحضير السفر الكبير الذي كتبه علماء الحملة الفرنسية تحت عنوان "وصف مصر".
   الكتاب الذي بين أيدينا هو في جزءه الرئيسي دراسة قام بها الكاتب عن الجزيرة العربية، استند فيها إلى مجموعة كبيرة من المراجع الكلاسيكية والعربية وكتابات المستشرقين، والوثائق الخاصة، فخرج منها برؤية حول أصول العرق العربي، وتقييم موروثاته في هذا الخصوص، وعلاقته بالشعوب والحضارات المحيطة، وحول المد السكاني القادم من الجزيرة العربية لمصر عبر التاريخ، والذي يراه المكون الأساسي للشعب المصري، كما قام بدراسة تاريخ العرب في الجزيرة العربية والحضارات والدول التي قامت بها، وأحوالها، وقدم خلال ذلك سرداً لما تعرضت له الجزيرة العربية من غزوات متتالية من الرومان والفرس والمصريين وغيرهم.
   كما قدم دراسة جغرافية عن الجزيرة العربية أورد فيها وصفا للأودية والجبال، والمناخ، وبنى على ذلك رؤى تثير التأمل حول مسارات الأودية، كما دون أسماء الكثير من المواقع، والاحداث المرتبطة بها، منها ما نقله عن المدونات القديمة والحديثة، ومنها (وهو الأهم) ما وجده في وثيقة عثر عليها  في مصر كتبها أحد السجناء من جيش أبي نقطة، كان بها الكثير من الأخبار والأحداث ـ التي لم ترد لدى سواه ـ عن أحداث الدولة السعودية الأولى في منطقة عسير وجبال السراة، ومواقعها، كما نقل عن بعض الوثائق المصرية أخبار حروب الإمام فيصل بن تركي مع الجيوش المصرية والمقاومة الباسلة التي أبداها الإمام ومن معه من أهل الخرج وسواهم في حصار الدلم مقابل جيش خورشيد باشا.
   كما نقل الكاتب في نهاية الكتاب دراسة مختصرة للحالة السياسية والاجتماعية في مصر في عصر محمد علي باشا، ثم سرداً لأحداث رحلة الباشا على متن المراكب إلى الجنوب عبر  نهر النيل حتى وصوله إلى "فازوقل" الواقعة على بعد واحد وعشرين يوما بعد الخرطوم، وقد وصف خلال ذلك الكثير من المدن والبلاد والمجتمعات ووضعها السياسي والاجتماعي، في توثيق لما عليه الحال في مرحلته. 
   الكتاب على العموم هو واحد من الكتب الهامة والغنية التي عنيت بتاريخ العرب، وفنونهم، وثقافتهم، وأثرهم الحضاري على البشرية، فقد بذل الكاتب جهدا بحثيا معتبراً استحضر فيه الكثير من المصادر التاريخية والجغرافية وأبدى حماسا لإنصاف التاريخ والحضارة العربية، ودور الإنسان العربي.
لذا فقد حرصت على إخراجه للقارئ  لمعرفة جزء من تاريخه.
والله من وراء القصد.

                                                  منصور أحمد العسيري

الاثنين، 30 سبتمبر 2019

ما جاء عن إمارة أبناء الأمير علي بن مجثل على عسير


   كنت قد تطرقت لامارة ابن الأمير علي بن مجثل على عسير بعد وفاة ابيه في كتاب "عسير والتاريخ وانحراف المسار" نقلا عن مصادر معاصرة، وقد تحدث معي الكثير وتواصل معي الكثير حول ذلك، لذا فهنا سيكون ايضاح الوضع بشكل كامل، وستكون المصادر العسيرية حاضرة ايضاً.

   المتابع لما كتبه مؤرخو عسير في القرن الماضي والمعاصرون ينتابه الدهشة من غرابة بعض الأخبار ووجود حوادث وإمارات تجاهلها مؤرخوا عسير بينما كانت تطل معالمها بين ثنايا أخبارهم أو في أخبار معاصريها القادمين من الخارج.
 فالبعض قد يندهش من خبر عابر كتبه عبدالرحمن الحفظي (من اعيان القرن الثالث عشر الهجري) في حوليته، ونقله أحد أحفاده، ونشر في كتاب "مجموع في تاريخ عسير"، حيث أرخ الحفظي لوفاة سعيد ابن علي بن مجثل في نهاية شوال من عام 1261 هـ واطلق عليه الأمير الهمام سعيد ابن الأمير علي بن مجثل !
وهذا هو النص من نفس الكتاب ص234:

   فلماذا اطلق الحفظي على سعيد بن علي بن مجثل لقب (الأمير الهمام)، بينما لم يكن يطلق لقب (الأمير) إلا على أمير عسير فقط ولم يكن هنالك ألقاب تشريفية أميرية لأسرة الامير في تلك المرحلة، فلم نجد شيئا من ذلك في المؤلفات العسيرية.
   ويمكن ملاحظة ذلك في كامل الكتاب، ومن ذلك ما جاء غير بعيد من الخبر السابق، في الصفحة 237 من نفس المصدر، وفي احداث عام 1268هـ عندما أطلق على أخيه / عبدالله بن علي بن مجثل اسمه بدون أي ألقاب وبالمثل أطلق على / محمد بن عايض  في عصر وجود ابيه في السلطة اسمه دون أي ألقاب.
 وهذا هو النص:


   فهل كان سعيد بن علي بن مجثل اميرا لعسير قبل وفاته !؟

   عندما نعود لمرحلة ما بعد وفاة الأمير علي بن مجثل سنجد أن  أحد معاصري هذه المرحلة وصف عايض بن مرعي ما بعد وفاة علي بن مجثل بعبارة (حاكم مؤقت لعسير)، ثم أشار لتعيين ابن علي بن مجثل أميرا لعسير. 
   فقد أورد تاميزيه في كتاب "رحلة في بلاد العرب"، اخبارا جيدة عن الوضع، ولكنه لا شك لم تكتمل نصوصه، وكان هنالك نقص في النصوص عما هو مشار اليه في عناوين الترجمة، فمثلاً نجد هنا نص لم يتم ترجمة تفاصيله بشكل كامل، حيث ورد ضمن عناوين مواضيع الفصل الأول عبارة "عايض بن مرعي حاكما مؤقتا لعسير"، بينما لم نجد التفاصيل فعلا في نفس الفصل.
 وهذا هو العنوان متضمنا العبارة:

   وقد أشار محمد خير البقاعي المختص في المصادر الفرنسية إلى حاجة الكتاب إلى إعادة الترجمة، (انظر موضوعي في المدونة:  ما لم يترجم من المصادر الفرنسية عن الجزيرة العربية ـ محمد خير البقاعي)، ولعل ذلك يعود إلى أن ترجمة الكتاب ـ كما يذكر المحقق ـ تمت على مراحل، حيث طلب المحقق من مجموعة من الاساتذة في احدى الجامعات الامريكية ترجمة الكتاب للانجليزية، ثم قام المحقق ذاته بالترجمة من الانجليزية للعربية، ولا شك أن مثل هذه العملية يحدث فيها الكثير من الاخطاء.
   ولكن الجميل أنه أتي في نفس كتاب تاميزيه ، في موقع آخر، نص صريح واضح يفيد بإقامة العسيريين لابن الأمير علي بن مجثل أميرا على عسير، واستمرار عايض بن مرعي في تسيير الأمور، وهذا النص يؤكد لنا بوضوح مفهوم الاشارة العرضية السابقة، الواردة في مخطوط عبدالرحمن الحفظي.
وهذا هو النص من نفس كتاب تاميزيه:

   وبعد ذلك من الطبيعي أن نتساءل ...!، من هو الامير الصغير الذي خلف أباه مباشرة ؟ وكم استمر حكمه واين ذهب ؟ هل كان سعيد نفسه أم سواه ؟ ولماذا لم يورد مؤرخو عسير عنه شيئا ؟ ومن هم أبناء علي بن مجثل ؟ ومن أكبرهم ؟.
   بخصوص أبناء الامير علي بن مجثل، فهنالك تضارب في الأخبار حول عدد أبنائه، إذ يذكر محمد بن زلفة أن لديه ابنان هما عايض ومحمد، بينما يرفض علي عوض آل قطب وجود عائض ويضيف لمحمد سعيد وعبدالله، ويحيل ما جاء في رسالة علي بن مجثل لمحمد الحازمي عندما قال في نهايتها "ومن لدينا الولد عائض، ومحمد يسلمون عليكم" إلى احتمال أنه يقصد بعض رجاله من آل يزيد، وهم عايض بن مرعي ومحمد بن مفرح، وانه استخدم كلمة الولد نظرا لاحتمال فارق السن بينه وبين عايض ومحمد، ولم أر آل قطب يستند إلى أي نص يشير إلى اقتصار ابنائه بعده على الثلاثة الذين ذكرهم، بل هو يحيل لنصوص تذكر كل منهم على حدة،  كما لم أجده يحيل الخبر إلى أحفاده تواترا.
ورغم عدم أهمية ذلك فيما نحن بصدده، إلا أن الحق أن اشارة علي بن مجثل ألى الولد عائض ومحمد لا يمكن أن توجه إلا بقصد أبنائه هو إذ لا يستخدم مصطلح الولد للاشارة لغير الابن في اللهجة المحلية بعسير، أما غير الابن فيقال له: الغمر (غالبا)، أو الفتى، أو السفيه، أو الغر، كما أنه لا يشار للغريب بالاسم المفرد، فالأصح أن يقول: الولد عايض بن مرعي ومحمد بن مفرح، ولا يقتصر بالاسم مفرداً إلا للابن، والاهم أن افتراض الاستاذ علي آل قطب لذلك بني على أن هنالك أسرة حكم يزيدية ينتمي إليها كل من ابن مجثل وابن مرعي وابن مفرح، كما أورد كيناهان كورنواليس، لذا فمن الطبيعي أن يشير لهما باسم الولد، وهذا خطأ، فليس هنالك أي صلة نسبية بين هذه الأسر، فعائض بن مرعي لم يكن ذو صلة بأسرة علي بن مجثل، كما وصفه سليمان شفيق باشا (متصرف عسير 1326 ـ 1330هـ) في مذكراته، فقد ذكر صراحة أنه لا ينتمي إلى سلالة الامراء.
 وهذا هو النص:

بل انه أشار في نص آخر بما يفيد بانفراد عائض بن مرعي بالانتماء اليزيدي، وخصص الانتماء اليزيدي بآل يزيد الشعف، وأشار لدعوى آل يزيد الانتماء ليزيد بن معاوية، وأنهم لا يملكون أي وثائق تشير لذلك سوى تداوله بينهم، وقولهم أنهم توارثوه.
وهذا هو النص:

   
   ومن خلال ما تقدم فنحن نفترض بأن أبناء علي بن مجثل كانوا أربعة: أكبرهم عائض، ثم محمد، ثم سعيد، وعبدالله، وربما كان لديه عندما أرسل الرسالة طفلان فقط، وهما عائض ومحمد ثم أنجب سعيد وعبدالله لاحقا خلال السنوات التي عاشها بعد ذلك، أوربما أن عائض ومحمد كانوا يعقلون، لذا اختصهم بالذكر، بينما سعيد وعبدالله (أو أيهما في حينه) كانوا اطفالا صغارا لم يميزوا بعد.
ومن ثم فإن الراجح لدينا أن عائض بن علي بن مجثل قد تولى السلطة في البداية ـ بصفته الأكبر سناً ـ تحت وصاية عايض بن مرعي، إلى أن توفي.
 وحيث لم نجد خبر وفاته في المصادر العسيرية المعاصرة حتى الآن، فنقول لعله توفي مبكرا، وربما كان حينها لم يصل سن الرشد بعد، فتم تنصيب أخيه سعيد بن علي بن مجثل أميرا لعسير من بعده، والذي استمرت امارته إلى عام 1261هـ، ومن ثم كان خبر وفاته بعد أن وصل سن الرشد ومارس الإمارة حدثا ذا اهمية، مما جعل عبدالرحمن الحفظي يدونه ويشير اليه باسم الأمير، والذي هو ـ كما أسلفنا ـ لقبا خاصا بمن يتسنم الإمارة في عسير، وليس لسواه حتى من أقرب أقاربه.

   واذا كان قد تأكد لنا تتويج سعيد بن علي بن مجثل أميرا لعسير، وترجح لدينا تتويج أخيه عائض قبله، فإننا لم نجد ما يدل على مرحلة ما بعد سعيد، فهل تتوج أحد إخوته بعده، أم أن الامر ترك نظرا لوفاة الأميرين، ودخول الشرعية العثمانية على خط السلطة في عسير.
   كما لم يصلنا من المصادر العسيرية المعاصرة ممن اطلعوا على وثائق عسير القديمة، ما يعطي فكرة عن مدى ممارسة سعيد السلطة الفعلية قبل وفاته ، حيث أن قول عبدالرحمن الحفظي عنه (الأمير الهمام) يحمل دلالة على أنه مارسها، فكم المدة ؟.
أتمنى أن نجد جواب ذلك قريبا حين الافراج عن المزيد من الوثائق العسيرية بشكل أفضل.

   ويبدو أن عايض بن مرعي خلال مراحل ما قبل وفاة الأمير سعيد بن علي بن مجثل قد حاول تجاوز الشرعية المحلية التي فقدت، أو كانت على وشك انتهاء الصلاحية، إلى محاولة الحصول على الشرعية الخارجية لسلطته ـ التي ترسخت خلال سنوات وجوده مسيراً لأمورها ـ من الدولة العظمى في حينه وهي الدولة العثمانية.
   فالوثائق العثمانية تشير إلى أنه قد وسط شريف أبي عريش،  للتقدم إلى شريف مكة، للتوسط له لدى الباب العالي، لاصدار فرمان بتعيينه شيخا على عربان عسير، كما بعث الرسائل لشريف جدة ولشريف مكة، وكل ذلك كان في سبيل الحصول على الشرعية من الدولة العثمانية خلال مرحلة ما قبل وفاة الأمير سعيد بن علي بن مجثل بحوالي ثلاث سنوات وهذا نص أحد مراسلات الدولة العثمانية التي تدل على ذلك:


وقد صدرت فعلا الموافقة من المجلس الأعلى بتعييين عايض بن مرعي شيخا لعربان عسير، وهذا نص الفرمان أدناه: 



   لذا فلا عجب أن صراعا وخلافا حدث في عسير بعد وفاة عايض بن مرعي حول من يتسنم السلطة بعده، حيث انقسم الناس بين من يرى تنصيب اي من: ابن علي بن مجثل (لم يذكر اسمه في الوثيقة) أو محمد بن مفرح، وبين من يريد تنصيب محمد بن عايض.
وهذه صورة الوثيقة:


   وفي النهاية نأمل أن تخرج المزيد من الوثائق العسيرية التي تعطينا المزيد من التفاصيل عن إمارة أبناء علي بن مجثل، وانصاف تاريخهم.
   وقد وضعت هذه اللمحة مبدئيا هنا في محاولة للفت الانتباه.
   ولي عودة للموضوع ضمن سواه في موقع آخر إن شاء الله.
هذا والله الموفق





الخميس، 2 مايو 2019

رواية اسلام اهل جرش


   لا زال هنالك الكثير ممن يدندن حول قصة صرد بن عبدالله الأزدي  ويستدل بها على الأنساب، إذ طغى حديث قصة الصرد بن عبدالله على رواية دخول الاسلام جرش في هذا العصر على ما سواها. وكي تتضح الحقيقة حول قصة دخول الإسلام لجرش، إذ أن هذا حق مستحق للجرشيين. فمن الظلم مثلاًَ أن تروى قصصا حول إدخالهم عنوة للإسلام، ويتجاهل ما سوى ذلك، إذا كانت الحقيقة غير ذلك، لذا سنعرض هنا ما جاء حول دخول الإسلام لجرش ونقيِّمه.
  

   لقد ورد في خبر دخول الإسلام لجرش روايتان، إحداهما هي رواية ابن اسحاق في السيرة والتي نقلها عنه كل من أوردها بعده كالطبري والبيهقي وابن الأثير وابن كثير، وتذكر حدوث حروب ونزال تمكن فيه صرد بن عبدالله الأزدي من هزيمة أهل جرش وخثعم ومن ثم ولاه الرسول rعلى جرش، وهي الرواية التي تبنتها الكتابات الحديثة في منطقة عسير عن دخول الإسلام للمنطقة.
   أما الرواية الثانية وهي رواية قدامة بن جعفر والبلاذري والبكري وغيرهم، "، وهي تتحدث عن إسلام أهل جرش سلما وبدون حرب ومن ثم ولى النبي r عليها أبو سفيان بن حرب. وهنا سننقل الروايتين ونرى من خلال التحليل والاستقراء أيهما يمكننا أن نقبلها وستكون راجحة وأيهما ستكون مرجوحة، أو ربما مستبعدة.

الرواية الأولى قصة "صرد بن عبدالله الأزدي".

جاء في كتاب السيرة لابن اسحق والذي نقله عنه ابن هشام ما يلي:




"قدوم صرد بن عبد اللَّه الْأزديَّ 


إسلامه 



قال ابن إسحاق: وقدم على رسول اللَّه r صرد بن عبد اللَّه الْأزدي، فأسلم، وحسن إسلامه، في وفْد من الأزد، فأمّره رسول اللَّه r على من أسلم من قومه. وأمروه أن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك من قبل اليمن. 


قتاله أهل جرش 



فخرج صرد بن عبدالله يسير بأمر رسول الله r حتى نزل بجرش، وهي يومئذ مدينة مغلقة، وبها قليل من قبائل اليمن، وقد ضوت إليهم خثعم، فدخلوها معهم حين سمعوا بسير المسلمين إليهم، فحاصروهم فيها قريباً من شهر، وامتنعوا فيها منه، ثم إنه رجع عنهم قافلاً حتى إذا كان إلى جبلٍ لهم يقال له شكر، ظن أهل جرش أنه إنما ولى عنهم منهزماً، فخرجوا في طلبه، حتى إذا أدركوه عطف عليهم، فقتلهم قتلاً شديداً. 


إخبار الرسول وافدي جرش بما حدث لقومهما



وقد كان أهل جرش بعثوا رجلين منهم إلى رسول الله r بالمدينة يرتادان وينظران، فبينا هما عند رسول الله r عشية صلاة العصر، إذ قال رسول الله r بأي بلاد الله شكر ؟ فقام إليه الجرشيان فقالا: يا رسول الله، ببلادنا جبل يقال له كشر، وكذلك يسميه أهل جرش، فقال: إنه ليس بكشر، ولكنه شكر؛ قالا: فما شأنه يا رسول الله ؟ قال: إن بدن الله لتنحر عنده الآن، قال: بجلس الرجلان إلى أبي بكر أو إلى عثمان، فقال لهما: ويحكما إن رسول الله لينعى لكما قومكما، فقوما إلى رسول الله r فاسألاه أن يدعو الله أن يرفع عن قومكما؛ فقاما إليه، فسألاه ذلك، فقال: اللهم ارفع عنهم، فخرجا من عند رسول الله r راجعين إلى قومهما، فوجدا قومهما قد أصيبوا يوم أصلبهم صرد بن عبدالله، في اليوم الذي قال فيه رسول الله r ما قال، وفي الساعة التي ذكر فيها ما ذكر. 


إسلام أهل جرش



وخرج وفد جرش حتى قدموا على رسول الله فأسلموا، وحمى لهم حول قريتهم، على أعلام معلومة، للفرس والراحلة، وللمثيرة، بقرة الحرث، فمن رعاه من الناس فمالهم سحت، فقال في تلك الغزوة رجل من الأزد: وكانت خثعم تنال نصيب من الأزد في الجاهلية، وكانوا يعدون في الشهر الحرام:



يا غزوة ما غزونا غير خائبـــة = فيها البغــال وفيها الخيل والحمر



حتَى أتينا حميرا في مصانعها = وجمع خثعــم قد شاعت لها النّذر



إذا وضعت غليلا كنت أحملـه = فما أبالي أدانوا بعــد أم كَفـــروا" ... انتهى


هذه الرواية تواجهها العديد من الإشكاليات التي تجعلنا نقف كثيرا قبل قبولها ومنها:

1ـ الحديث "ضعيف مرسل"، ومجرد أنه ضعيف ومرسل يعني أننا لا نملك الحق في الاحتجاج به من الناحية الشرعية كحديث نبوي، ولكنه يظل رغم ذلك رواية تاريخية، ولكنها ضعيفة أيضاً، لانفراد ورودها كحديث ضعيف مرسل، نقل عنه البقية، ولم ترد مستقلة كخبر متواتر.

2ـ مدار الحديث في جميع المصادر هو رواية ابن اسحق، وقد نقلها عنه عدد من الرواة والأخباريين، ومن ثم فالمصدر الأساسي لهم جميعا هو ما ورد في كتاب السيرة الذي جمع فيه ابن اسحاق الغرائب التي لم يسبقه إليها أحد، وعنه يقول "محمد حميد الله" محقق كتاب سيرة ابن اسحاق المبتدأ والمبعث والمغازي: "وأكبر طعن طعنه به المحدثون هو أن ابن إسحاق يدلس الأحاديث. فروى الخطيب "أن أحمد بن حنبل ذكر محمد بن اسحاق فقال: كان رجلاً يشتهي الحديث فيأخذ كتب الناس فيضعها في كتبه. ، سألت أحمد بن حنبل فقلت: يا أبا عبدالله إذا تفرد ابن إسحاق بحديثه تقبله ؟ قال لا والله، إني رأيته يحدث في الجماعة بالحديث الواحد ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا"، ويقول محمد بن طاهر البرزنجي عن ابن اسحاق:"فهو مدلس"، ومن ذلك ننتهي إلى أن المصدر غير موثوق، وهذا يضعف من الثقة بالرواية بدرجة كبيرة.

3ـ من الملاحظات على الرواية أن الوفد الذي ورد للنبي قدم باسم "وفد الأزد" والصرد بن عبدالله ورد اسمه في الرواية: "الصرد بن عبدالله الأزدي"، ولم يرد في الرواية ما يشير إلى أي انتماء لهم أدنى من الأزد !. وهذا أمر غير منطقي، فالأزد جذم عظيم من أجذام العرب، يتألف من قبائل وشعوب كبرى منتشرة في حينه على مساحات واسعة متفرقة من البلاد بدءاً من الشام، إلى العراق، إلى البحرين، إلى عمان، إلى المدينة،  إلى مكة، إلى الطائف، إلى تهامة، إلى السراة، ولا يصح أن يحمل احد الفروع الصغيرة اسم الكل، فقد قدمت منهم وفود، كان كل منهم يحمل اسم قبيلته الأدنى، ولم يقدم أيهم حتى باسم أي من الفروع الرئيسية من الأزد ، فقد ورد خبر وفد دوس، ووفد ثمالة، ووفد غامد، .. وغيرهم، فما بال هذا الوفد جاء يحمل اسم الأمة كلها، فهذا لا يوازيه إلا أن نسمع عن وفد معد أو وفد نزار أو وفد قضاعة، وذلك لم يحدث بديهياً، وهذا يدل على التكلف في الرواية، والبحث عن دلالة أسهل إلى القاسم المشترك، ممن لا يعرف المزيد من التفاصيل، فادعى واضعها أن وفدا مجهولاً مكوناً من عدة أشخاص، قدم من موقع غير معلوم، يدعي تمثيل الأزد كلها، فقبل منه ذلك، وكلف بمهام كبرى، فأداها، ولم يسأل ولم يخبر عما هو أدنى في انتمائه، وهذا لا يصح.

4ـ أورد الراوي أن حربا حدثت بين الصرد وأهل جرش ـ بعد تراجعه عن الحصار ـ عند جبل كان اسمه "كشر" وسماه الرسول (ص) "شكر"، بينما لا يوجد على أرض الواقع أي جبل اسمه شكر ولا كشر حوالي موقع جرش ولا حتى في حدود المنطقة، بل هنالك جبل مشهور اسمه "ضمك"، أطلق بعض الكتاب عليه "شكر" !، وهذا اجتهاد لا صحة له البتة، ولعل أوضح دليل على عدم وجود الجبل أن الباحث/ محمد بن احمد بن معبر الرفيدي والذي هو أحد أبناء تلك المنطقة ويعرفها جيداً، لا زال يبحث ـ في آخر أعماله في دورية القول المكتوب ـ حول موقع جبل شكر ويبدي رأيا (اجتهاديا) مخالفا  لما عليه البعض من أن جبل ضمك هو جبل شكر، ويقترح ـ مجتهدا ـ جبلا آخر.

5ـ الملاحظة الأهم هو أن متن الرواية يحوي الكثير من الغرائب، فلنا أن نتخيل غرابة أن الرسول (ص) والذي لا ينطق عن الهوى - يأمر الوفد الذي قدم بهدف التعرف والدخول في الإسلام، لا أن يتعلموا الإسلام أولاً حتى يرسخ الإيمان في قلوبهم، بل أن يحاربوا من يليهم من الكفار بذاتهم وتحت قيادة أحد أفراد الوفد !، والأعجب أن نجد الرواية تقول أن الرسول r بعد أن أمرهم بجهاد من يليهم من الكفار، يعود أثناء المعركة ليدعو الله بأن يرفع عن عدوهم الذي أبى إلا أن يقاتل دون كفره، ثم نجد ما هو أغرب من كل ذلك، وهو أن المجاهدين (المفترضين) الذين يدعون أنهم يقاتلون الكفار ليدخلوا في الإسلام، بعد أن انتصروا عليهم، يقول شاعرهم:

إذا وضعت غليلاً كنت أحمله                           فما أبالي أدانوا بعد أم كفروا

إذن فالحرب التي خاضوها كانت دعوى الجاهلية !.

 فهل من اليسير علينا أن نقبل صحة رواية هذا الحديث الذي وصف من أهل العلم بـ(الضعيف المرسل)، والذي يشير إلى أن النبي r بدلاً من أن يدعو الوفد إلى التفقه في الدين ثم إلى دعوة من يليهم إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، كما جاء في كتاب الله (إدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)، نجد أنه قام بتوجيه القوم الذين للتوا أسلموا - ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم - بمحاربة أعدائهم في الجاهلية باسم الإسلام، فاستغلوا هذه الأوامر في القتل وسفك الدماء، لا لنشر الإسلام، بل لتفريغ شحناتهم الجاهلية بدعوى الجهاد ؟!.  

ومن الملاحظات أيضاً أن الرواية تشير إلى أن أهل جرش بعد أن غزاهم الصرد أرسلوا رجلين إلى يثرب "يرتادان وينظران"، وهو ما يدل على جهلهم بخبر ظهور النبي (ص)، وهذا مخالف للروايات الأخرى، حيث كان النبي (ص) قد أرسل قبل فتح الطائف رجلين من الصحابة إلى جرش ليتعلما صناعة الدبابات والمنجنيق والعرادات واستعمالها، ومثله فعل أهل الطائف استعداداً للمعركة، كما جاء في المصادر الأخرى.  

وعندما نضيف لكل ذلك ما يلاحظ من اضطراب الرواية وتناقضها مع غيرها، إذ الروايات الأخرى تشير إلى أن النبي r قد ولى أبو سفيان بن حرب على جرش بدايةً، ثم ولاه نجران وولى سعيد بن القشب على جرش، بينما الرواية التي بين أيدينا تشير إلى أن النبي r قد ولى صرد بن عبدالله على جرش.

وكل هذه الملاحظات مجتمعة تجعلنا نستبعد رواية ابن اسحاق، فالواضح أنها لم تكن إلا واحدة من رواياته التي حبكها الوضاعون فنقلها في كتابه، وما أكثرها.

 ومما يجعلنا نؤكد على التخلي عن هذه الرواية كليا أن هنالك رواية أخرى أكثر توازنا وموثوقية من هذه تناقضها، وتتوافق مع بقية الأخبار في المصادر التاريخية الأخرى، وممن رواها قدامة بن جعفر صاحب الخراج، والبلاذري والبكري وغيرهم، وقد جاءت الرواية كما يلي: 

" تبالة وجرش

حدثني بكر بن الهيثم عن عبدالرزاق عن معمر عن الزهري قال: أسلم أهل تبالة وجرش عن غير قتال، فأقرهم رسول الله r على ما أسلموا عليه وجعل على كل حالم ممن بهما من أهل الكتاب ديناراً واشترط عليهم ضيافة المسلمين وولى أبو سفيان بن حرب جرش"



 
 وكما نرى فالرواية هنا مختلفة عن تلك، وهي تنفي حدوث القتال، وهذه الرواية بالإضافة لاتصافها بالاتزان، فإن انفرادها بالإشارة إلى وجود أهل الكتاب في جرش وتبالة يعطيها مصداقية أكثر، فهي دلالة على أن كاتبها لم يقلد أحداً، ولم يراعِ أحداً، وأن الرواية التي خلت من الأساطير تواترت عن مصدر يحمل درجة جيدة من المصداقية، بل ان أحد مصادرها هو أحد دلالات المصداقية لهذه الرواية، وهو قدامة بن جعفر ـ صاحب الخراج ـ، فقد ولي الرجل سجل الخراج وقضى زمنا عليه، وتنقل خلال ذلك بين المدن واطلع على سجلات الخراج، ولعل في النص ما يدل على صلتها بسجلات الخراج حيث ورد فيه أن النبي وضع على كل حالم ممن بها (أي جرش) من أهل الكتاب دينارا وفرض عليهم ضيافة المسلمين، ولعل هذا مما يفترض أنه مقيدا في سجلات  الخراج، وأنه كان موكلا لصاحب الخراج العمل على استمرار تنفيذه، ما يعطي دلالة على مصدر ذو موثوقية جيدة وارتباط مباشر بالخبر، ومما يقود إلى المزيد من التأكيد على صحة هذه الرواية إشارتها إلى أهل الكتاب في الحاضرتين المذكورتين مصداقاً لما تحمله المصادر الأخرى السابقة واللاحقة، فقد كان هنالك يهود ونصارى بالفعل في حواضر منطقة عسير كجرش، وترج تجاهل وجودهم الخبر الأول، والذي يتحدث عن قبيلتين متحاربتين (خثعم والأزد)، ولم يرد به أي شيء يشي عن الطابع الحضري لجرش، ولا عن وجود أهل الكتاب (اليهود والنصارى) فيها، وهو الخبر الذي حملته بقية الأخبار المتواترة عنها، ومن ذلك ما جاء في الحديث المتواتر عن عبدالله بن عمر أنه: "قدم رجل نصراني من أهل جرش تاجراً فكان له بيان ووقار، فقيل: يا رسول الله، ما أعقل هذا النصراني... ، إلى آخر الحديث"، والحديث  باستقراء مدلولاته، يمكن اعتماده كمؤشر دال على مفهوم عصره، من حيث وجود النصارى (أهل الكتاب) في جرش وتبالة، ومما يؤكد ذلك ما ورد في نص وثيقة يهودية كتبت في بداية (القرن السادس للهجرة) حيث تشير إلى أن اليهود كانوا يتواجدون في "ترج" (إحدى مدن منطقة عسير المجاورة لجرش) إلى القرن الهجري الخامس، ففي رسالة ابن ميمون (الراب موشيه بار ميمون) المعروفة باسم (رسالة إلى اليمن) إشارة إلى "مجموعة ترج" كأحد مجموعات اليهود الناشطة على مستوى الوطن العربي في حينه، (القرن الحادي عشر للميلاد/ القرن السادس للهجرة)، و"ترج" هي إحدى الحواضر في منطقة عسير، وتقع فيما بين مدينتي جرش، وتبالة، ولا شك أن هذا الوجود اليهودي في ترج في تلك المرحلة، ووجود النصارى واليهود في نجران المجاورة منذ العهد الجاهلي كما هو معلوم، واستفاضة وجود النصارى في جرش والتي تسوق إليها الأحاديث المذكورة، بالإضافة للطابع الحضري لجرش والذي تدل عليه اهتمامات أهلها واختصاصهم بالصناعات العسكرية والحرفية والتي عادة ما تكون من اختصاصات اليهود، بينما كان يأنف منها العرب، كل هذا يعطينا دلالة أولية على حضور سكاني لأهل الكتاب في العموم في منطقة جرش (المركز الحضاري والصناعي والتجاري الأكبر في المنطقة)، وهو ما يتوافق مع رواية البلاذري وقدامة حول وجود أهل الكتاب في جرش وتبالة - اللتان تحيطان بترج من الشمال والجنوب - وتقنين التعامل معهم من قبل النبي (ص)، ومن ثم تأتي رسالة ابن ميمون التي أشرنا إليها لتؤكد ذلك، لذا فهذه الرواية هي الأصح والمعتمد لدينا، وهو حق علينا جميعاً لأهل جرش في ذلك الزمان الذين أرسلوا وفدهم للنبي (ص) وأسلموا طواعية دون حرب أن نوضح ذلك. ... والله أعلم.

الأربعاء، 13 فبراير 2019

حول موضع قريش من هيكل السلالات العربية

   منذ بدأت عملية الفحص الجيني وبدأ التعامل معها من قبل بعض المهتمين بالأنساب لم يتوقف الجدل ولم ينتهي إلى نتيجة حتى الآن,  ولعل من أهم الأسباب لذلك هو عدم توافق النتائج مع المدونات التاريخية حول الأنساب، ومن ثم محاولة كل جهة اثبات وجهة نظرها حول هيكل الأنساب العربية .
   وحيث أن هنالك دليل واحد يمكننا من خلاله الوصول إلى مدى مصداقية الهيكل ألا وهو الوصول إلى السلالة الهاشمية القرشية من خلال تتبع سلالة الحسن والحسين (رضي الله عنهما)، حيث أنه عني بتوثيقها بشكل جيد نظرا لارتباطها بمفاهيم دينية لدى بعض المذاهب والطوائف، لذا فقد حرص النسابة والمؤرخون وغيرهم على تتبع حركة سلالة الحسن والحسين منذ بدأ التدوين في التاريخ الإسلامي وحتى الآن، فلم يخل قرن من الزمان لم يكتب فيه مؤلِّف، أو يشار عبر مؤلَّف ما  إلى السلالات الحسنية والحسينية، وبالذات تلك الأسر المشهورة التي  حكمت مكة واليمن والمدينة المنورة والمخلاف السليماني ثم تلك المنبثقة من أشراف مكة وهم سلالة الأسرة الملكية في الأردن. فلا شك أن أشهر وأوثق الأنساب الهاشمية تتمثل في هذه الأسر ألا وهي أسرة آل الرسي أئمة اليمن، والقتاديون في تهامة الحجاز أشراف مكة، والسليمانيون أمراء المخلاف السليماني والطاهريون الأعرجيون أمراء المدينة المنورة, بالإضافة للموسويون الحسينيون في العراق وشرق الجزيرة العربية وايران، وقد التقت هذه السلالات تدريجيا  ـ كما هو متوقع ـ وبنفس الأعمار التاريخية المعروفة لهم، والمدونة في كتب التاريخ ـ وبانتظام ـ تحت سلالة واحدة.
    وقد قمت بعمل مشجرة مبسطة للأسر المشهورة من الطالبيين موضحا بها طريقة التقائها لتبسيط الاطلاع لمن لم يطلع عليها، أو أشكل عليه تتبع المشجرة التي وضعها مشروع بني هاشم وقريش الجيني، علما بأن التحورات بعضها ثابتة وبعضها متغيرة، كما أن هنالك بعض الأسماء التي لم تظهر لها تحورات حتى الآن مثل سليمان بن عبدالله بن موسى (جد السليمانيين أمراء المخلاف)، والحسن بن علي بن أبي طالب، ولعل ذلك يعود لعدم انتظام ظهور التحورات في البشر لزوما، أو ربما لأسباب تقنية تتعلق بتطور وسائل الفحص وهو ما يتيح فرصة ظهورها مستقبلا، إلا ان ذلك عموماً لم يؤثر في وضوح وتوافق التسلسل والتدرج للأنساب ـ مع توافق الأعمار ـ إلى الوصول إلى التحور الأكبر L859 الذي يفترض أن السلالة القرشية تقع تحته، ثم امتداداً حتى الوصول إلى التحور المعدي المفترض  FGC1723 ، ولعل المزيد من التطور في هذا العلم سيكشف لنا التحورات التي لم تظهر حتى الآن.
   وهذه صورة للمشجرة التي قمت بتصميمها مع اعتذاري عن أي زلل أو أخطاء قد تظهر، ولا شك أن الوقت والمزيد من التطور في علم السلالات الجينية البشرية سيظهر المزيد من التغيرات والإضافات، ولكن لا شك أنها ـ وعطفا على التوافق الحاصل ـ لن تكون جذرية، ولكنها ستزيد وضوح ومصداقية ارتباط السلالة الهاشمية بهذا التحور, وهذه هي المشجرة:


   لا شك أن التقاء هذه الأسر ناهيك عن الأسر الأخرى المعروفة بهاشميتها ممن لم تتشتهر بإمارة أو بحكم محلي، بالإضافة لالتقاء القرشيين الذين لا زالوا يحملون اسم القرشي ويقطنون في بلاد قريش القديمة ـ سواء قريش المغمس أو سواهم ـ مع أبناء عمومتهم من الهاشميين يعني أننا أمام السلالة القرشية، ذاتها دون ادنى شك، وأي جدل حول ذلك بعدها لا شك أنه مجرد إضاعة للوقت، وعبث، واتباع للهوى.
ومن خلال ما تقدم فإن قريش قد انفردت بسلالة مستقلة تشاركها فيها قبيلة بني صالح فقط ـ حتى الآن ـ وتلتقي بعينات سلالة أوروبية (حديثة) قبل التقائها ببقية قبائل معد (المذكورة بكتب الأنساب)، وطي ـ وربما قبائل أخرى ـ، تحت التحور الجامع FGC1723 ، وهذا لا يتوافق مع ما ورد في كتب النسب، وهو ما يشير إلى خطأ جذري، ومن ثم فلا بد من التسليم بوجود أخطاء جذرية أخرى في كتب الأنساب، يجب ان لا نفصلها على مقاس أهوائنا.
   والواضح أن هنالك خسائر فادحة سيتحملها الباحثون عن المفاخر في الأنساب، ويجب التسليم بها، فلا شك أن هنالك قبائل عربية مشهورة لا تقع في مواقعها التاريخية، ومن ثم فقد نجدها خارج السلالة J1 ويجب قبول ذلك وتوقعه.
فكما ظهرت قبيلة كبرى بحجم قبيلة حرب تهيمن على مساحة كبيرة ـ تعد أهم المواقع في الجزيرة العربية ـ على الهابلوقروب E فعلينا توقع وجود قبائل أخرى من سلالات أخرى متداخلة مع سلالة J1  منذ القدم.

الاثنين، 9 أبريل 2018

حقيقة قبيلة "جديلة" التهامية في النقوش اليمنية وعلاقتها بربيعة الفرس


في النقوش اليمنية ورد في كتاب "التنظيمات والمعارك الحربية في سبأ" تأليف د. محمد بن سلطان العتيبي، النص (J616) أن عدداً من القادة القبليين في عهد الملك  نشأ كرب يأمن يهرحب اتجهوا الى بلاد خولان الأجدود لفض النزاع بينهم وأخذوا منهم رهائن وبعد عودتهم لصنعاء أرسلوا مرة أخرى ل السهرة مدينة الرحبة ومن ثم حاربوا عددا من عشائر (دوأت)، وعشائر إياس، وأيدعان، وحكم، وحدلنة، وغامد، وكهال، وأهلني، وجديلة، وسبسم، وحرام، وحجر لمد، وأوام، ورضحتن من حرة، ولقد حاربوهم بأسافل أودية ذي بئر، وخلب, وتدحن ... إلى آخر النص.
وهذه صور النص وقراءته من المصدر:







وكي لا يتشتت تركيز القارئ ويدور في تهجئة نص  النقش، فإن الخلاصة ما ورد في ص213  حيث نجد الإشارة في الفقرة 14 إلى مسيرة الجيش لقبائل خولا ن الاجدود ثم الفقرة 18 و19 عادوا واتجهوا لأرض السهرة ، ثم في الفقرات من 23 إلى 26 يشير إلى القبائل التي غزوها وكان منها قبائل الحكم وجديلة وفي فقرة 26 و27 يشير إلى مواقع هذه الغزوات وهي وادي ذي بئر وخلب وتدحن.

ومن خلال النص نجد أن موقع الاحداث كان في تهامة وبالضبط منطقة المخلاف "جازان"، حيث يقع وادي خلب وحيث توجد قبيلة الحكم، وقد أشار المؤلف إلى أن السهرة قد تعني السراة ولكننا لا نجد ما يؤكد ذلك لتكررها في النصوص كمدينة في خولان أو قبيلة محددة وليس كمنطقة كبيرة تقابلها تهامة، رغم أننا في العموم لا نقطع بنفي احتمالية ذلك، إلا ان وجود الحكم وخلب يعني أن بين أيدينا موقع تهامي وقبيلة تهامية، بغض النظر عن بقية المواقع، وهو ما يعني أن الغزوة اتجهت الى تهامة المخلاف وأن من ضمن القبائل التي غزاها قبيلة الحكم وقبيلة جديلة، وجديلة: اسم قبيلة تنتمي إلى ربيعة وينتمي إليها بنو وائل كما هو معلوم. 
وهذا اذا اضفناه إلى جانب ورود الكثير من الإشارات التي تدل على استيطان بني وائل (من فروع جديلة) الربيعية لبلاد تهامة جهة المخلاف وما حولها والتي أجملنا بعضها في كتاب "قبيلة عنز بن وائل جذور وحضور". فإن هذا النص يعتبر رافدا يحق لنا الاستئناس به إلى جوار الكثير من الدلائل الواضحة على تواجد ربيعة الفرس في منطقة عسير سراتها وتهامتها، وامتداد ما بينها وبين نجران وتهامة في العصور القديمة,
وقد كان ذلك، وتم رصد النص المحفوظ أصلاً في الذاكرة الشخصية لاستخدامه في الكتاب.
   إلا انه أثناء الجمع كان هنالك نص آخر يشابهه في الأحداث وفي الموقع (جازان ـ المخلاف السليماني) حيث أرسلت حملة بدأت أيضا  لفض النزاع بين خولان الأجدود ثم اتجهت منها لتهامة  (نفس الأحداث التي بدأت بها الحملة في النص السابق)، كما تكررت بعض الأسماء التي كانت هدفا للحملة مثل سهرة وخولان الأجدود، وكان قد تم رصد هذا النص (الأخير) لاستخدامات أخرى تخص الحدود الطبيعية لامتداد الممالك اليمنية والتواجد المعدي القديم في وادي عتود. وهذا هو النص:



إلا أنه أثناء الجمع حدث خلط بسبب تشابه النصين، فتمت الإشارة للنص الثاني بدلا من النص الأول. وذكرت جديلة ضمنه.
 ولمن يقرأ بديهيات القراءة التاريخية والاستدلال فإنه لا جدوى من ذلك اطلاقا، ومن ثم لا يمكن حمله على سوء النية، فالنص الأول يعطي الدلالة المطلوبة والتي تم التوصل اليها بمساعدة النص (الخطأ) بالضبط ألا وهي تواجد قبيلة جديلة في نفس المواقع من تهامة في العصور القديمة، حيث حدث يوم خزاز (كما نقل الهمداني عن الخولانيين)، وحيث بدأت حرب  البسوس في تهامة كما أورد الأخباريون، وحيث وردت الكثير من الإشارات الى بني وائل في فرسان والدرب وتهامة عسير وغيرها، وحيث تقطن غير بعيد قبيلة عنز بن وائل إلى هذا التاريخ.
ومن ثم فما ذكر من استدلالات حول النص الثاني كان سيذكر حول النص الأول والأمر لا يتجاوز خطأ إحلال نص مكان نص مطابق في الدلالة غير مؤثر على مسار الاستدلال والكتاب .

   وللمعلومية فكتاب "قبيلة عنز بن وائل جذور وحضور" عدد صفحاته 358 صفحة، تحوي الكثير من المعلومات والاشارات والكشف عن مسارات الأحداث والاستقراءات غير المسبوقة. 
   كما يحوي الكتاب اكثر من 600 إشارة مرجعية مستمدة معلوماتها من 138 مرجع، ومن ثم فالخطأ غير المؤثر على مسار الاستدلال في إشارة مرجعية لا معنى له.
   وقد وصفت دارة الملك عبدالعزيز الكتاب بعد مراجعته وتمحيصه ودراسته بقولها: "هو عبارة عن دراسة شاملة لقبيلة عنز بن وائل ومنطقة عسير وهو حقيقة أمين في نقل المعلومات ومتقصي".

   وذلك رغم أن الدارة رفضت فسحه مبدية ملاحظات حول أنساب بعض القبائل، وحول اعتراضها على استخدام نتائج الدي ان أي في أنساب القبائل، واعتراضها على الإشارة لقرب نجران من قرية كهلن (الفاو)، ولا شك لدي أن الملاحظات تتعلق بالمسؤولية الملقاة على عاتق الدارة وحساسية التطرق للأنساب بغير المتعارف عليه والمشاكل التي يخشون أن تتبع ذلك (حتى لو صحت)، وهي أراء وملاحظات لدي الكثير من التحفظات عليها والتي ربما أتطرق اليها لاحقا. 
 وقد أثار الكتاب اهتمام الكثير من المؤيدين والمخالفين منذ نشره، فكان هنالك الكثير ممن يجتهدون ويبذلون الكثير من وقتهم في محاولة البحث عن أخطاء وتوجيه النقد للكتاب لا لاتباع المنهج العلمي في فحص وتدقيق المعلومة، بل للتقليل من شأنه، لتعارضه مع أهوائهم، ومن الجميل أن ما تمكنوا من الاحتفال به هو خطأ مطبعي أو زلة قلم تحدث بشكل طبيعي لجميع المؤلفين، فيكاد لا يخلوا عمل من الخطأ، ولا أريد أن أعطي أمثلة لكتب أسماء كبيرة جدا حوت أخطاء واضحة لا يمكن أن نحيلها لأكثر من متلازمة العمل البشري: "الخطأ"، ولكن مؤلفاتهم ذاتها تظل رغم ذلك على درجة كبيرة من الأهمية.  
وفي النهاية أتقدم بالشكر لكل من اهتم بكتاب "عنز بن وائل جذور وحضور", سواء مؤيدا أو معارضا، فقد استفدت منهم جميعا الكثير خاصة وأنني في صدد إصدار الطبعة الثانية من الكتاب مزودة ومنقحة حسب المستجدات. 
والله ولي التوفيق